“لم نذق مياهاً باردة هذا الصيف”.. نازحون في مركز إيواء بريف الحسكة

نورث برس – تل تمر

في غرفة مدرسية تفتقر لمختلف مقومات المعيشة ضمن بلدة تل تمر شمال الحسكة، شمال شرقي سوريا، يعيش النازح راغب الشلو رفقة أطفاله التسعة تحت وطأة حرارة الصيف دون امتلاكهم الكهرباء وأدوات التبريد ووسط نقص المساعدات الإغاثية.

وعقب الهجوم التركي برفقة فصائل معارضة موالية لها على منطقتي سري كانيه (رأس العين) وتل أبيض أواخر عام 2019، تحولت المدارس في منطقة تل تمر بريف الحسكة إلى مراكز إيواء لآلاف النازحين بعد أن تقطعت بهم السبل.

ورغم أن غالبية العائلات النازحة انتقلت فيما بعد إلى مخيمين في الحسكة وثالث في ريف الرقة أو استقرت في مدن وبلدات شمال وشرقي سوريا، إلا أن بعض النازحين الذين لم يتمكنوا من إيجاد مأوى آخر تبقوا في هذه المراكز وسط ظروف صعبة للعيش فيها.

ظروف قاسية

وقال راغب الشلو (55 عاماً)، النازح من ريف سري كانيه، إن العشرات ممن يسكنون مراكز الإيواء يعيشون ظروفاً معيشية صعبة وإنه “عاجز عن شراء الخبز لأطفالي.”

وانتقد نقص المساعدات المقدمة من المنظمات الإغاثية، وسط عدم توفر فرص العمل.

وتأوي مدرسة “مصعب بن عمير” بالقرب من نهر الخابور 40 عائلة نازحة بعد وصول الحرب إلى مشارف قراها بريف مدينة سري كانيه.

وتقول إحصائيات رسمية من لجنة شؤون المنظمات إن تل تمر استقبلت عقب الهجمات التركية نحو ثلاثة آلاف عائلة تضم حوالي 30 ألف شخص جلهم أطفال ونساء، قبل أن ينتقل غالبيتهم لمخيمات ومدن أخرى شمال شرقي سوريا.

وأضاف الرجل الذي يعاني من مرض السكري: “سابقاً كانت تصلنا مساعدات إغاثية لكن منذ أشهر لم يقدم أحد مساعدة لنا، كما أن المخيمات لم تعد تستقبلنا نتيجة اكتمال قدرتها الاستيعابية.”

ويتأسف “الشلو” الذي يقف بجوار سرير حديدي تنام عليه والدته المريضة، لما آلت إليه أوضاع عائلته بعد أن كان يعمل كمزارع في قريته العريشة.

ويذكر: “قريتنا أفرغت بالكامل من ساكنيها، ووفق معلومات حصلنا عليها من أقربائنا في القرى المجاورة، دمرت الفصائل القرية بالكامل بعد تفخيخها، كما سرقوا 800 كيس شعير لي.”

وعقب سيطرتها على عشرات القرى، قامت فصائل المعارضة الموالية لتركيا بتدمير منازل وسرقة أخرى بحجة تعامل أصحابها مع الإدارة الذاتية أو قوات سوريا الديمقراطية، بحسب تقارير حقوقية محلية ودولية.

صيف بلا كهرباء

وذكر “الشلو” أن الكهرباء مقطوعة في المنطقة منذ شهرين، “والجميع يفترش الأرض في الخارج أثناء الليل، ولا يمكن لأبناء العائلات النوم بالقرب من بعضهم، الوضع مزر جداً.”

وتصل درجة الحرارة لنحو لأكثر من 42 درجة مئوية في الحسكة وأريافها، وتقول المديرية العامة للأرصاد الجوية الحكومية إن الحرارة تزيد عن معدلاتها بما يتراوح بين سبع وعشر درجات.

ولشدة الحرارة في فترة الظهيرة، يلهو الأطفال ضمن ممرات المدرسة بينما تعد بعض السيدات الطعام بانتظار أزواجهن للعودة من العمل.

وأدى حبس تركيا لمياه الفرات إلى انقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة في شمال وشرقي سوريا، إلى جانب مشكلات أخرى أبرزها تضرر الزراعة.

وفي الوقت الذي يعتمد فيه سكان المدن والبلدات على ساعات محدودة لكهرباء المولدات الخاصة “الأمبيرات”، لا يتمكن هؤلاء النازحون من تأمين أي مصدر بديل للكهرباء.

وعلقت منظمات إنسانية بروشورات توعية ضد فيروس كورونا على جدران المدرسة، بينما تعاني أرجاء المدرسة من انتشار الأوساخ ويشكو سكانها من انسداد الصرف الصحي دون أن يصغي أحد لمطالبهم في تحسين أوضاعهم.

مسنون وأطفال

وكحال كثيرين في المدرسة (مركز الإيواء)، تجول المسنة مريم الطلب (91 عاماً) في ممر المدرسة متكئة على عكازة مصنوعة من قطع أنابيب، تقول إنها لا تدري وجهتها بعد أن تشتت أسرتها بعد النزوح.

وتفتقر ‘‘الطلب’’ إلى غرفة تأويها بسبب اكتظاظ المدرسة بالنازحين، وتعيش حالياً رفقة طفلة من حفيداتها عقب مقتل ابنها أثناء تأديته للخدمة الالزامية للحكومة السورية.

 وتزوجت بنتا المسنة فلم تجد بعدها من يرعاها.

وقالت لـنورث برس: “أنام لدى الجيران وأحياناً في باحة المدرسة”، رغم أنها وحفيدتها تعانيان من مرض في العيون.

وأضافت أنها تحصل على أصناف دواء مجاني من مشفى البلدة، وتشتري باقي الأصناف من الصيدليات، معتمدة على مساعدة بعض سكان المنطقة لها.

وتذكر الجدة أنها لم تشرب مياه باردة ولم تجلس أمام المروحة هذا الصيف بسبب عدم توفر الكهرباء وأجهزة التبريد.

“دعم شبه معدوم”

وتشتكي سلمى محمد (37 عاماً) من نازحي ريف سري كانيه من انعدام شبه تام للمساعدات من قبل منظمات المجتمع المدني منذ أكثر من 6 أشهر.

وأضافت لــ “نورث برس” بأن الدعم بات شبه معدوم وتقتصر المساعدات على تقديم الخبز وجرات الغاز المنزلي، في حين حتى مياه الشرب والغسيل تم قطعها من قبل اليونيسيف.

وبات الهلال الأحمر السوري يقوم بتقديم خزان 5 براميل فقط من المياه يومياً لنحو 45 عائلة تقطن في المدرسة، كما يقوم بتقديم السلل الغذائية لمرة واحدة كل شهرين بعد انقطاع الدعم من قبل المنظمات الإغاثية.

وقالت “محمد” وهي أم لثلاثة أطفال، إنهم غير قادرين على تدبر أمور معيشتهم ولا حتى شراء أبسط مستلزمات الحياة.

ورفضت الكثير من العائلات مغادرة المدارس رغم قرار الإدارة الذاتية المبلغ لهم مسبقاً، والذي جاء حرصاً على سير العملية التعليمية.

وقطعت معظم منظمات المجتمع المدني، وخاصة الشركاء المحليين للمنظمات الدولية المساعدات عن النازحين بناء على طلب شؤون المنظمات وهيئة الشؤون الاجتماعية والعمل، بهدف إجبار النازحين على التوجه لمراكز الإيواء.

وفي أيلول/ سبتمبر العام الماضي، قال الرئيس المشارك لمجلس مقاطعة حسكة، عبد الغني أوسو، إنهم بدؤوا بنقل النازحين من مراكز الإيواء في المدارس إلى المخيم، من أجل إتمام عملية التدريس فيها.

ولم يختلف حال ليلى عبد الرحمن 29 عاماً من نازحي سري كانيه عن حال سابقتها، إذ أشارت إلى أنهم جاؤوا للسكن في مدارس الحسكة وواجهوا صعوبات في بداية الأمر، “ورغم كل ذلك رضينا بما وصل إليه حالنا.”

وقالت “عبدالرحمن”: “في البداية كانت هناك مساعدات، ولكن مؤخراً تم قطعها. كما تم قطع التيار الكهربائي عنا منذ 4 أشهر.”

وقضت المرأة مع أطفالها الذين يعانون من مرض الربو، عدة أيام في المخيم، “لكننا لم نستطع التأقلم نتيجة الغبار. لنعود مجدداً إلى المدرسة، لنجد أن المساعدات قطعت عنا.”

وقالت آهين أحمد المسؤولة في لجنة نقل النازحين من مراكز الإيواء إلى المخيم، إنه تم استقبال نازحي سري كانيه في 80 مدرسة بالحسكة وريفها قبل أن يتم البدء بتجهيز مخيمي واشو كاني وسري كانيه.

وأشارت “أحمد” إلى أنهم قاموا بإفراغ 33 مدرسة من أصل 80 وبقيت 47 مدرسة لايزال النازحون يتواجدون فيها نتيجة وصول مخيم سري كانيه لطاقته الاستيعابية الكاملة.

وانتقدت المسؤولة عمل منظمات المجتمع المدني والمنظمات الإنسانية التي حسب وصفها “لا تقف على معاناة السكان واحتياجاتهم، إلى جانب عدم اعتراف النظام السوري بمخيم سري كانيه وواشو كاني.”

وأشارت إلى أن الدعم الإغاثي المقدم للنازحين “قليل للغاية ويزيد من معاناة السكان في ظل الإمكانيات المحدودة للإدارة الذاتية وعدم قدرتها على تقديم المزيد من الدعم للمهجرين من مناطقهم.”

إعداد: دلسوز يوسف/ جيندار عبد القادر – تحرير: حكيم أحمد