عائلات نبش القمامة في ريف دير الزور.. سد الرمق أكبر الأمنيات
دير الزور ـ نورث برس
مع بزوغ فجر كل يوم، تتجه خولة حميد (29 عاماً)، وهو اسم مستعار لسيدة تعيش بريف دير الزور الشرقي، رفقة أطفالها، إلى مكبات النفايات سعياً وراء تأمين قوت يومهم، وسط تجاهل كامل لمخاطر المكان.
ويبعد مكب النفايات عن مكان سكن العائلة أربعة كيلومترات، حيث يقصدونه إما سيراً على الأقدام أو في الصناديق الخلفية لسيارات عابرة.
ويبدو أن خولة وبناتها الثلاثة وابنها، مجبرين على التعايش مع الأوساخ المتجمعة تحت أظافرهم، إلى جانب حكة واحمرار جلدي طوال الليل. كل ذلك لا يهم، ففرحة انتزاع لقمة العيش تجعل أفراد هذه في غنى عن التفكير بالمخاطر الصحية.
وأصبح النبش في القمامة بحثاً عن البلاستيك والنحاس طوال النهار، إحدى مصادر الكسب لعشرات العائلات في مدينة هجين 100 كم شرقي دير الزور.
ووسط الروائح الكريهة، تبحث “حميد” وأولادها عن قطع من النحاس والبلاستيك والحديد، لجمعها وبيعها أو استبدالها بمواد غذائية ومنظفات، من سيارات الخردوات المتجولة في شوارع المنطقة.
وتقول بحسرة: “ما من عمل آخر يغنينا عن النبش في القمامة.”
ورغم رداءة المهنة ومشهد النفايات المقزز والروائح الكريهة المنبعثة منها والأمراض الناتجة عنها، إلا أنها لم تمنع هؤلاء النساء والأطفال من العمل، لإيجاد ما يعود عليهم ببعض المال ليسدوا به رمقهم، بعد أن صدت أبواب حصولهم على مصدر كسب مناسب.
انعدام الحيلة
والعمل في نبش القمامة كان موجوداً حتى قبل الحرب في سوريا، لكنها كانت تقتصر على أشخاص محددين، كانوا غالباً من الرجال.
ومع بدء الحرب وطحنها للبلاد على مدى عقد، أخذت الظاهرة بالازدياد، حيث أصبحت مهنة لشرائح وعائلات بأكملها.
ويتراوح دخل العائلة اليومي ما بين خمسة آلاف إلى سبعة آلاف ليرة، “لا تكفي شيئاً، نحتار ماذا نفعل بها؟ نشتري مواد غذائية أم أدوية أم مياه شرب” تقول خولة.
ويصل ثمن كيلو النحاس في مناطق الريف الشرقي لدير الزور إلى 12 ألف ليرة، ويباع كيلو البلاستيك بـ 35 ليرة، وكيلو الحديد بـ 300 ليرة، بحسب أصحاب محلات شراء الخردوات.
وتقطع حمدة العبيد (48 عاماً)، وهو اسم مستعار لنازحة في مدينة هجين، مسافة خمسة كيلو مترات، وهي تحمل على ظهرها ما قامت بجمعه من مكب النفايات لتبيعه بمبلغ زهيد لا يتجاوز 2000 ليرة سورية.
وتقول السيدة التي تنحدر من حي الصالحية: “لقلة الحيلة والوضع المعيشي المتردي اضطر وطفلي للبحث في مكبات النفايات وسط الأوساخ والأمراض.”
بالقرب من “حمدة” تقول صبحة عبد الواحد (٤٥ عاماً): “نأتي إلى مكب النفايات مسافة خمسة كيلومترات لنعمل من السادسة صباحاً حتى منتصف النهار.”
وتضيف: “يصل كل ما نبيعه أسبوعياً إلى 12 ألفاً، وتشدد على أن العمل شاق ومقزز، ولكنه يبقى عملاً شريفاً يغنينا عن الحاجة والسؤال والتماس عطف الآخرين.”
وتجد “عبد الواحد” في المكب أحياناً بعض الملابس فتستخدمها في إكساء أبنائها، لتعود العائلة بعد انتهاء المهمة، وتبيع ما تجمعه للتاجر الذي ينقله بدوره إلى معامل إعادة تدوير النفايات.
أخطار محدقة
يحذر أطباء في مدينة هجين من ذهاب هؤلاء الأطفال والنساء لمكبات النفايات لما لها من أعراض تؤثر على حياتهم، ناهيك عن خطورة تواجد مخلفات المعارك.
وتنتشر في مناطق مكبات النفايات الكثير من الأوبئة والأمراض الخطيرة التي تهدد العاملين هناك مثل اللاشمانيا، كما أنها قد تكون سبباً في التهاب الكبد، “بحسب الأطباء.”
ويقول صلاح السلمان، الرئيس المشارك لمجلس هجين المدني، إنه “من خلال وضع أطروحات واجتماعات لم نصل لنتائج ملموسة بشأن هؤلاء الأطفال.”
لكنه أضاف: “نطمح بقدوم منظمات تقوم بتعليمهم مهناً وصناعات أو إنشاء جمعيات
خيرية تضمن حياة كريمة لهم كي لا يعودوا لمثل هذه الأماكن.”
وإلى حين إيجاد حلول تغنيها، ستبقى هذه العائلات تمضي قدماً في النبش بين أكوام القمامة لتسد بها حاجتها للبقاء على قيد الحياة.