الرئيسيتقارير

أسواق الهال في سوريا.. كل الحلقات رابحة دائماً على حساب المزارع

دمشق ـ نورث برس

أمضى أحمد مرعي (66 عاماً) وهو من أحد سكان الساحل السوري، عمره وهو يعمل في الزراعة، يقول إنه “لم يحيا ولم يمت” لأن العمل في الزراعة لا يحقق دخلاً يزيد عن تأمين الحاجيات الأساسية للحياة.

ويشبه “مرعي” الحالة بين المنتج وأسواق الهال خاصة في أوقات الكساد “بمن يعرض ابنته للزواج ولا يجد راغبين.”

ويسترجع المزارع عدد المرات التي عادت فيها السيارات بحمولتها إلى أصحابها، لأن البضاعة لم تجد من “يريدها”، وفي هذه الحالة كل الخسائر يتكبدها المزارع وكل الحلقات الباقية ليست معنية بما يحصل.

ويشوب العلاقة بين المنتجين وأسواق الهال خلل كبير، حيث أن كل من يعمل في ذاك السوق يصبح” خواجة” على حساب تعب وشقاء المزارع الذي لم يتغير حاله خلال عقود عمله في الزراعة.

الحلقات كثيرة وجميعها تضمن أرباحها رغم أن الحصة الأكبر لتجار سوق الهال، وحده المنتج الذي يدخل مقامرة مع كل موسم يزرعه، حيث أن احتمالات الربح تساوي احتمالات الخسارة عبر عقود، ورغم كل شعارات الدعم التي تطرحها الحكومة.

بالتسلسل

“الشحينة” وهم الذين يقومون بملء الشاحنة بالخضروات من أرض المزارع وإفراغها في سوق الهال، وهؤلاء حصتهم محفوظة ومضمونة وتشكل نسبة لا بأس بها من قيمة أي نقلة خضار أو فواكه إلى سوق الهال.

وتسعيرة النقلة ضمن القرية الواحدة لا تقل عن 5 آلاف ليرة تبعاً للقرب أو البعد عن سوق الهال، أما النقل بين المحافظات فله أرقام يصفها منتجون بالفلكية.

عندما يصل “الشحينة” إلى السوق يقصدون تاجر الجملة وهو الوسيط ما بين المنتج وتجار المفرق. هؤلاء يصفهم المنتجون بـ”الزعماء”، إذ أنهم يحصلون على عمولة “كمسيون” حددتها وزارة التجارة الداخلية مؤخراً بنسبة أقصاها 7.5%.

يقول أحمد صالح (66 عاماً) وهو مزارع في اللاذقية، إنهم “الشحينة” يحصلون مقابل وقوفهم دقائق عند وصول شحنة الخضار، على مبلغ يقارب 10 آلاف ليرة لكل مائة ألف ليرة أمضى المزارع موسماً كاملاً في زراعتها والإنفاق عليها بماله وجهده.

من هنا

يبدأ الاستغلال الذي يتعرض له المنتجون في أوضح صوره من العبوات التي يوضع فيها المحصول.

لمتابعة جميع الأخبار… حمل تطبيق
نورث برس من متجر سوق بلاي

يقول ياسر إبراهيم (49 عاماً) وهو مزارع لديه بستان حمضيات في محافظة طرطوس، إن المزارع يشتري الفلين، ثم يخصمون عن كل فلينة 3 كيلو مقابل وزنها، علماً أن وزنها أقل من ذلك بكثير.

ولكن المزارع يعاود شرائها ثانية، بسعر يصل إلى 1500 ليرة، وفي الكثير من الأحيان يكون سعر الفلينة أغلى من محتوياتها كما يحصل عندما تنخفض الأسعار وهذا يحصل كثيراً.

وتقتضي القوانين أن يحتسب سعر العبوة لصالح المزارع، “ولكن من سيضمن له حصوله على هذا الحق؟”، بحسب “إبراهيم”.

لا يتوقف استغلال المزارعين على التحكم في التسعير والنسبة التي يحصل عليها التجار، بل يستغل الكثير منهم حاجة المنتجين للمال، ويلجؤون إلى إقراض المزارعين الذين يضطرون لذلك من أجل شراء المواد الأولية المطلوبة، مقابل التزامهم ببيع محاصيلهم عندهم حصراً دون غيرهم.

تسعيرة التجارة الداخلية

والشهر الماضي، حددت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك أسعار مبيع الخضار والفواكه بحسب العرض والطلب، والوفرة في أسواق الهال.

ونسبة الربح تم تحديدها للحلقات الوسيطة في الأسواق، حيث حددت نسبة الربح 30 % من سعر الشراء من تاجر الجملة للمواد سريعة التلف مثل البندورة والخيار والكوسا والحشائش بأنواعها.

وتم تحديد 20 بالمئة من ثمن الشراء من تاجر الجملة “المزارع” لباقي أصناف الخضار والفواكه.

وعدَّ بعض تجار المفرق في سوق الهال أن نسبة 20% غير كافية، لأن هنالك تكاليف أكياس نايلون ونقل وضرائب، وأنه لكي تكون كافية يجب رفعها إلى 30%.

ويأتي هذا الطلب بعد الخوف من العقوبات التي يحملها المرسوم 8 لحماية المستهلك، في حين سابقاً كان تجار المفرق يسعرون الخضار والفواكه بما يرونه مناسباً.

وفي الثاني عشر من نيسان/ أبريل الماضي، صدر المرسوم التشريعي رقم 8 لـ2021، المتضمن قانون حماية المستهلك الجديد، ووصلت الغرامات المالية الواردة فيها إلى 10 ملايين ليرة سورية حسب طبيعة المخالفة، إضافة إلى الحبس.

أمر ضروري

يقول أحد خبراء التنمية من دمشق، (لم يرغب بذكر اسمه)، إن تحديد نسب الربح للحلقات الوسيطة أمر ضروري ولكن على الواقع لا يحصل، ويتساءل “لمصلحة من يخسر المزارع؟.”

ويتساءل أيضاً: “لماذا لا تلعب مؤسسات التجارة الداخلية دور منافس لأسواق الهال وتشتري بسعر داعم، ثم تبيع المستهلك بربح معقول وتكسر احتكار التسعير من أسواق الهال؟.”

ويضيف: “ولكن لا يحصل هذا”، وعندما ترك المزارع إنتاجه من الثوم في الأرض بسبب انخفاض سعره الكبير، وامتنع المزارعون عن الزراعة، وفي العام الثاني تجاوز سعر الكيلو 5 آلاف ليرة، فأرهق المستهلكون كما يحدث الآن مع البندورة البلاستيكية، وقبلها مع مربي الفروج.

ويقول الخبير “لكل هذا يجب على مؤسسات التجارة التعامل مع المنتجين بطريقة مختلفة، لكن المشكلة أن السورية للتجارة لا تحدث فرقاً لأنها تتبع للسوق ولا تقوده.”

وقد ذكر مصطفى علي (اسم مستعار) مزارع بندورة بلاستيكية في منطقة عكار بطرطوس، أن المؤسسة استجرت البندورة بسعر 300 ليرة للكيلو كما الأسعار في سوق الهال، وأن نسبة الحسم وصلت إلى 3%، ولكن كانت الميزة الوحيدة في  تقديم العبوات من المؤسسة، إلا أنه بالمجمل لم يحدثوا فرقاً في تسعيرة أسواق الهال.

وشدد الخبير التنموي “على ضرورة أن تلعب مؤسسات التدخل الإيجابي دوراً أكبر في كسر الحلقة المستمرة من الاستغلال الذي يتعرض له المزارع في سوق الهال.”

إعداد: ريتا علي ـ تحرير: معاذ الحمد

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى