مصابغ في ريف دمشق.. مهنة تعلن استسلامها أمام تقنين الكهرباء

دمشق ـ نورث برس

بعد تراكم الأزمات والمشاكل في العاصمة دمشق، ما بين تدهور الوضع الاقتصادي، وتراجع القدرة الشرائية للسكان، وغياب مصادر الطاقة، أعرب العديد من أصحاب المصابغ في دمشق وريفها عن استيائهم من تضرر مهنتهم بشكل كبير وتردي حالهم الاقتصادي.

وتتنوع المشاكل وتتفرع ولكنها تمس الجميع، وتبدأ من التقنين الكهربائي الذي يصل إلى ٢٠ ساعة يومياً ويرافقه انقطاع في الماء، وارتفاع خيالي لأسعار القطع وصيانتها، وأخيراً وليس آخراً سوء المواد الأولية وارتفاع سعرها وفقدان اليد العاملة.

عمل ليلي

ويضطر زاهي العبدالله (34 عاماً) وهو صابح مصبغة في بلدة صحنايا جنوب العاصمة دمشق، للنوم في المصبغة بسبب تقنين الكهرباء.

وقال لنورث برس: “لا أدري ماذا أقول أو من أين أبدأ، من التقنين حيث تصل الكهرباء ساعة واحدة كل خمس ساعات، ما يجبرني على النوم في المصبغة لأعمل في الليل.”

وأضاف: “وما يرافق قطع الكهرباء انقطاع الماء وهو ما يؤثر بشكل كبير.”

وذكر أنه يضطر لدفع كل ما يجنيه من عمله لتأمين المازوت بشكل حر لتشغيل المولدة الكهربائية، ولصهاريج المياه لتعبئة الخزانات.

ومنذ أكثر من شهرين لم يحصل “العبدالله” على لتر واحد من المازوت من الحكومة وحتى المياه الرئيسية غابت عنه، ما سبب له خسائر كبيرة.


ونهاية تموز/ يوليو العام الماضي، أصدرت وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية القرار رقم 478، والمتضمن آلية دعم للمصابغ العاملة.

وتقوم الهيئة بحساب قيمة الدعم (15%) بالليرة السورية لكل مصبغة على حدا ولكل مادة على حدا (مازوت، فيول، كهرباء) وفق الكميات المستجرة بشكل شهري.

قوانين تزيد الخسائر

وقال حسن العامر (45 عاماً) وهو صاحب مصبغة في منطقة جرمانا جنوب دمشق، لنورث برس: إن الحصول على هذا الدعم يتطلب الحصول على ترخيص للمصبغة ووثائق رسمية ستزيد من كمية الضرائب التي يدفعها، والمصبغة إن لم تكن خاسرة فهي لا تجني شيئاً إضافياً ليدفع.

وذكر أن الدعم الذي يحصل عليه يأتي من موظفي مديرية المالية والبلدية الذين يأتون بشكل دوري للمصبغة لطلب الرشاوي تحت تهديد تنظيم المخالفات وإغلاق المصبغة.

وعدا عن ارتفاع الإيجارات وغياب مصادر الطاقة توجد مشكلة كبيرة وهي في قطع الغيار وإصلاح الأعطال الدورية.

وأشار “العامر” لعدم وجود إمكانية لشراء أي قطعة كهربائية جديدة عند تعطلها، “وخيار الإصلاح لم يعد سهلاً فأسعاره تضاعفت عدة مرات، وجميع القطع تستورد من الخارج.”

وتسربت أغلب اليد العاملة خارج البلاد بحثاً عن فرصة عمل، بسبب انخفاض الدخل الذي يصل إلى ٢٠٠٠٠ ليرة سورية كحد أقصى، وهو غير كاف مقارنة بمستلزمات المعيشة، بحسب “العامر”.

وأضاف: “غالبية العاملين اليوم هم أطفال أو مراهقون أعمارهم تقل عن 18 عاماً ويعملون ليس حباً في المصلحة بل لإعانة عائلاتهم، وهذا يؤدي لفقدان العمال في أيام دوام المدارس.”

مهنة إضافية

وتعلم راجح بدرية (20 عاماً) عامل في مصبغة في بلدة جديدة عرطوز غرب دمشق ويقطن فيها، المصلحة منذ ثلاث سنوات، قبل أن يساق صاحب المصبغة للخدمة الإلزامية ويتسلم العمل وإدارة المصبغة عنه.

وذكر لنورث برس أن عدد المصابغ التي تغلق اليوم يرتفع باستمرار بسبب مشاكل الكهرباء والمياه والمحروقات.

ويتزامن هذا مع تناقص رضا الناس عن عملهم في بعض الأحيان بسبب سوء المواد المستعملة وارتفاع سعرها، حيث تتكرر على مسامعهم كثيراً جمل الزبائن مثل “سعر أعلى لجودة أقل.”

وأضاف، أنه بعد التحاق صاحب المصبغة بالخدمة العسكرية وتسلم إدارتها، لجأ لتعلم الخياطة وإصلاح الملابس، محاولاً رفد المصبغة بدخل إضافي.

وأشار إلى أنه أخذ آلة خياطة جدته اليدوية وبدء باستخدامها لتغطية الخسائر الناجمة عن قلة العمل، ومستفيداً من إقبال السكان المتزايد على إصلاح الملابس بدل رميها والتخلص منها.

ومع عودة الدوام الجامعي، سيضطر “بدرية” للعودة والالتزام بالمحاضرات، وإغلاق المصبغة صباحاً وخسارة جزء من ساعات الكهرباء القليلة الواصلة، بحسب قوله.

إعداد: رغد العيسى – تحرير: معاذ الحمد