آراء وتحليلاتالرئيسيشورش درويش

الاستقرار يبدأ بالخدمات!

يمكن في كل الأحوال تسجيل ملاحظة مفادها أن لسوء الخدمات العامّة وفقدان المواد الأساسية وارتفاع الأسعار وغياب المسؤولية الاجتماعية للسلطة الحاكمة أن يتسبّب في حدوث اضطرابات أو حتى نموّ حركة احتجاجات شعبية، فضلاً عن خسارة السلطة مكانتها واحترامها حين تفتقر للحساسية الواجبة تجاه مسؤولياتها، مثل هذه الملاحظات تشبه النبوءات القابلة للتحقّق في معظم المجتمعات التي تعاني من أزمات اقتصادية وإدارية مزمنة، حتى وإن لم تكلل الاحتجاجات بإحداث التغيير المطلوب أو خضعت لعسف السلطة وعنفها في نهاية المطاف.

ولعلّ الصورة الأشدّ قتامة تظهر في مناطق سيطرة النظام حيث تردّي الأوضاع المعاشيّة وانعدام المواد الأساسيّة، الأمر الذي ينبئ بحدوث أزمات داخلية رغم القبضة الأمنيّة للنظّام وقدرته في الرد على أصغر الاحتجاجات عبر ممارسة القمع والاحتكام إلى العنف والقسوة، وبطبيعة الحال فإنّ مشاهد الطوابير أمام الأفران والمؤسسات الاستهلاكيّة ومحطّات التزوّد بالوقود، على ما تعكسه من هوان وفشل مديد للنظام، فإنّها إلى ذلك تمثّل احتجاجات صامتة قد تتحوّل إلى احتجاجات صريحة، ذلك أنّ الطوابير هي ما يجمع المحتاجين إلى بعضهم البعض، وبحسب المراقب أن يستذكر منظر الطوابير الطويلة وتزاحم المواطنين على السلع الأساسيّة قبيل انهيار النُظم البوليسية والديكتاتوريّة في أوروبا الشرقيّة والاتحاد السوفيتي.

أمّا الصورة المقابلة فتتمثّل في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يقطنها من خمسة إلى ستة ملايين نسمة والتي شهدت تحوّلات أوجدتها الحاجة إلى مكافحة الإرهاب ليستقر مشروع الإدارة في شكله الحالي منذ الإجهاز على “دولة” داعش في معقله الأخير في الباغوز ربيع 2019، إلّا أنّ هذه المنطقة الجغرافية، والتي أصبحت نطاقاً سياسيّاً وإدارياً مستحدثاً خرج من رحم الحرب إلى الاستقرار الجزئي، ما زالت تعاني من معضلة أنّها لم تراكم تجربة إدارية في عهد الحكومات السورية المركزيّة المتعاقبة، ولم تكن جزءاً من الجهاز البيروقراطي المتقدّم للدولة، إذ لا تكاد ترى وزراء أو مدراء عامين هجروا النظام وتركوه ليعملوا في صفوف الإدارة، كما أنّ الإهمال الحكومي للمنطقة وتحكّم المركز به أفضى إلى انعدام الخبرات المحلّية المطلوبة لتشكيل الإدارة، لذا قامت الإدارة على أساس التجريب المستمر، وغياب القدرة على الركون إلى نموذج ثابت للحكم والإدارة ما يعني أنّ الاستقرار الإداري وتكوّن الأعراف الإدارية وشكل المكاتبات الرسمية واللوائح التنظيمية وسواها من موضوعات قانونية ما تزال تحت الاختبار والتجريب المستمر، إضافة إلى نقل الموظّفين بشكل مستمر من ملاك هيئة إلى أخرى دون أن تكون الهيئة متدخّلة بشكل ما في خطوات النقل أو متفهّمةً لموجباته.

في إزاء التجريب الإداريّ، غير المفيد، ثمّة مسؤوليات اجتماعيّة تقع على عاتق الإدارة، من ذلك مكافحة الفساد، وتأمين المواد الأساسيّة من خبز ووقود وغاز ومواد استهلاكية، وطبابة وتعليم، لكن الملاحظ خلال الفترة الماضية شح بعض المواد الأساسيّة كمادة الخبز والتي تقع في كل الأحوال على عاتق الإدارة وفي صميم مسؤولياتها، فيما باتت طوابير الحصول على هذه المادة موضوعاً يكثر فيه التندّر والسخرية، إذ كيف لبلاد القمح أن تفتقر إلى الخبز!. في حين أن الوعود التي قطعتها الإدارة بدعم سبع مواد أساسيّة منذ قرابة العام ماتزال وعوداً في الهواء، إضافةً إلى أن أجور العاملين لا تزال تراوح في مكانها رغم الحديث عن الزيادة التي قد تساهم في إضفاء شيء من التوازن بين الأجور وارتفاع الأسعار.

ومن بين المسائل الأساسيّة التي جرى الحديث عنها مؤخراً كانت “حملة مكافحة الفساد”، بيد أن مكافحة الفساد تستلزم وجود صحافة داعمة، وصحافة استقصائيّة نشطة ومحميّة، إضافةً إلى وجود قوانين زجريّة وصارمة في المسائل التي تخصّ المال العام، وإذا كانت الإدارة قد قطعت شوطاً في هذا المضمار، فإنّ الأولوية هي ألّا تبرد الحملة، بل إنّ الأدق أن يصار إلى تشكيل لجان مختصّة ومستقلّة وليس الاعتماد على الحملات الموسميّة.

من نافل القول إنه في الأوقات التي تخفّ فيها التهديدات الأمنيّة وتوقّف الأعمال العسكريّة العدوانيّة تنتعش المطالبات الداعية إلى تحسين جودة الخدمات وتوفيرها، لا يعني هذا أنّ المجتمعات متطلّبة في أوقات السلم بقدر ما يعني أنّها على حق في مسألة تبديل الأولويات، وأن من حقّها أن تعيش خارج فكرة التهديد الأمني الذي ينبغي أن يكون مؤقّتاً مهما استمر أو طال.

وتفترض السياسة في كثير من الأحيان، الحديث في الشؤون الخاصّة بالمجتمع، كالخدمات، والتقصير والتراخي الإداريين، ذلك أنه لا ينبغي أن تتحوّل السياسة إلى كلام مجرّد ومفاهيم نظريّة والحديث في استراتيجيات كبرى وتحليل المواقف الدوليّة أو حتى التفاهمات الحزبيّة، وعليه فإنّ الأحزاب في شمال وشرق سوريا بعيدة عن شؤون وشجون المواطنين، الأمر الذي يعكس مغالطةً في فهم المعنى الرحب للسياسة بما هي وسيلة لتحقيق المنفعة العامّة، والانحياز للناس وقضاياهم اليوميّة.

ثمّة مخاطر جمّة تحيق بالإدارة من ذلك مسألة الخدمات العامّة ومسؤوليتها الاجتماعية، وإذا كان تململ الناس ظاهراً في هذه الأثناء، فإنّه قد يتصاعد وحين ذاك لن تكون الحلول الإسعافية كفيلة بإسكات الأصوات التي قد تتعالى، ذلك أن “الطوابير” التي قد تتحوّل من ظاهرة عابرة إلى نمط حياة اعتيادية قد تتحوّل إلى أولى الخواصر الرخوة التي تهدد استقرار الإدارة في ظل التفاوت بين الأجور والأسعار وشح المواد الرئيسية وغياب السياسات الرشيدة.

في لحظةٍ كاشفة بيّن لينين الغاية من الثورة، إذ عبّر باقتضاب عن ذلك بالقول: “قمنا بالثورة لأجل المجالس المنتخبة، والكهرباء”. والحال أنّ قوله هذا يعني أن غاية التغيير تكمن في إرساء انتخابات تمثيليّة، لكنه أيضاً سعيٌ إلى تقديم الخدمات وإن كان لينين قد اختار “الكهرباء” على اعتبارها درّة تاج الرفاه الاجتماعي قبل ما يزيد عن المئة عام، فإن شمال وشرق سوريا بحاجة إلى ما هو أكثر من الكهرباء.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى