دمشق ـ نورث برس
أدى الوضع الاقتصادي والمعيشي المتدهور في العاصمة دمشق إلى توجه سكان في بعض احتياجاتهم اليومية لممتهني الحدادة الفرنجية بصفتهم أهل الترميم وإعادة التدوير والمعادن الرخيصة نسبياً.
ويلجأ الجزء الأكبر من سكان دمشق وريفها إلى التوجه للإصلاح والترميم بدل الاستبدال، وإلى إعادة التدوير بدلاً عن الرمي بالنفايات، وإلى الاعتماد على المواد الأرخص لتلبية احتياجاتهم.
وتشهد الأسواق السورية ارتفاعاً كبيراً في أسعار مختلف المواد، حيث سجل سعر الكيلوغرام الواحد من الحديد الجديد 3500 ليرة سورية، بينما يباع حديد الخردة بـ 1800 ليرة بحسب سكان، ما أجبر غالبية السكان في دمشق إلى البحث عن وسائل أقل تكلفة وأثاث أكثر عمراً.
انتعاش من جديد
وقال محمد دياب (43 عاماً)، وهو بائع خضار ومعيل لأربعة أولاد من سكان حي العمارة، لنورث برس، إنه منذ منتصف السنة الماضية وهو يعتمد على محل الحدادة الفرنجية لتصليح ما يتهالك أو يتآكل في المنزل أو محله لإصلاحه أو استبداله.
وذكر أنه اضطر منذ ستة أشهر لاستبدال القواعد والرفوف الخشبية التي يستعملها في محله نتيجة تهالكها وبدء تعفنها.
وتوجه “دياب” إلى منشرة أخشاب ليحاول تأمين قواعد ورفوف جديدة، ليجد أنها من الممكن أن تكلفه 800 ألف ليرة سورية.
وقال: “عندها عدت أدراجي وحسمت قراري بالعودة إلى القواعد والرفوف المعدنية، وقصدت محل الحدادة الفرنجية لينجز الأمر، حيث توصلت إلى اتفاق مع الحداد لإنجاز العمل بـ 150 ألف ليرة سورية.”
وأشار إلى أنه سيقوم بتأمين نصف الحديد اللازم للعملية من بائعي الخردة.
تهالك وغلاء مواد
ويتهالك منزل حسان البزرة (50 عاماً)، وهو اسم مستعار لأحد سكان حي بستان الدور وسط دمشق، دون أن يتمكن من ترميمه بسبب غلاء المواد اللازمة له من دهان وخشب وألمنيوم، والتي لا تتناسب مع راتبه.
وقال “البزرة”، الذي يعمل كموظف في القطاع العام في دمشق: “راتبي لا يساعدني على متابعة ما يحتاجه منزلي، إلا في حال كانت هذه الحاجيات قابلة للاستبدال أو الإصلاح لدى الحداد.”
وأضاف: “أجور الحدادين مقبولة نوعاً ما، خاصة إذا ما استطعت تدبير أمورك من ناحية تأمين الحديد.”
ومنذ شهرين، احتاج “البرزة” لتبديل باب داره بعد تهالكه نهائياً.
“توجهت إلى محل الحدادة حاملاً معي باب دار أهلي القديم المصنوع من الحديد، وقام الحداد بترميمه وتدعيمه وطلائه مقابل 30 ألف ليرة سورية.”
وأضاف: “بينما لو أرادت تبديله بالخشب لتكلفت 350 ألف ليرة سورية على الأقل.”
ويقوم طارق عكا (40 عاماً) وهو أحد سكان الطبالة يعمل في محطة للوقود، ببناء غرفة على سطح منزله.
وقال لنورث برس: “نتيجة غلاء الأسعار لا أملك ما يكفي لبناء سقف من الإسمنت المسلح.”
وعرض أحد أصدقاء “عكا” عليه أن يسقفها بالقرميد، بعد إخباره أن الحداد سيكون مسؤولاً عن كل شيء من تأمين الحديد اللازم لبناء قاعدة للقرميد إلى تأمين القرميد وتركيبه.
وقال “عكا” إنه حين وصل إلى محل الحدادة، كانت الخيارات أمامه عديدة، فقد خيره الحداد بين حديد مستعمل أو جديد وبين نوعيات ودرجات جودة مختلفة من الحديد سواء المستعمل أو الجديد.
وأشار إلى أن الحداد خيَّره بين دفع مبلغ 150 ألف ليرة كأجرة لعمله دون أن يكون مسؤولاً عن المواد، أو 650 ألف ليرة كأكثر خيار تقشفي في حال استلم الحداد كل العمل.
كثافة في العمل
وقال مهدي خضر (47 عاماً)، وهو صاحب محل حدادة فرنجية في سوق الحدادين وسط دمشق، لنورث برس، إنه لا يتوقف عن العمل طوال النهار.
وأضاف: “العمل كان يزداد شيئاً فشيئاً منذ عام 2016 إلا أنه ازداد أضعافاً مضاعفة منذ بداية العام الحالي.”
ولم يعمل “خضر” بهذه الكثافة منذ أيام التعاقدات مع مؤسسات الدولة، كما أصبح يشتري الحديد المستعمل من أي شخص يريد بيعه، “لأن صيانته وإعادة استخدامه أصبحت شائعة جداً.”
وذكر أنه شخصياً، “استبدل نوافذ الألمنيوم في بيته إلى نوافذ حديد على الطراز القديم لأنها أكثر متانة وأقل تكلفة، مستفيداً من فرق السعر.”
وقال: “في الحقيقة الأعمال الصغيرة هي الأكثر ربحاً، فربحي من ترميم نافذة أو باب قديم يشابه الربح في صناعة باب جديد.