دمشق ـ نورث برس
يقول سكان في دمشق إن الإعلام الرسمي والموالي للحكومة السورية، “يرصد حياة غير واقعية”، خاصة في التصريحات والأخبار المتداولة التي تظهر سوريا على أنها لا تزال “بخير” وتملك فائضاً في كثير من المواد ضمنها الأوكسجين، لتتبرع به إلى بلدان أخرى، متغافلة عن الأزمات التي تطوق البلد.
ومؤخراً، سارعت وسائل الإعلام الرسمية والموالية للحكومة السورية بالحديث عن فائض الأوكسجين في البلاد مباشرة بعد قرار الرئيس بشار الأسد الذي أثار جدلاً واسعاً حول تأمين 75 طناً من الأوكسجين للمشافي اللبنانية.
وكانت الحكومة السورية، قد أعلنت قبل أسبوع، أنها سترسل إمدادات أوكسجين للبنان، استجابة لطلب من وزير الصحة اللبناني حمد حسن.
وفي تصريح صحفي، قال الوزير اللبناني إن الأوكسجين “هدية مباشرة” من الرئيس السوري بشار الأسد الذي استجاب لطلب إنساني من لبنان.
“فائض من النقص”
وفتحت منحة الأوكسجين للبنان وحديث وسائل الإعلام الرسمية عن فائض في الأوكسجين، قضية بُعد الإعلام الرسمي والموالي للحكومة السورية عن التغطية الواقعية للمشاكل والأزمات التي يعانيها السوريون.
ونفى سكان وأطباء في دمشق الرواية الرسمية وأكدوا وجود نقص كبير في الأوكسجين داخل المشافي الحكومية بدمشق.
وقالت ميساء الجردي في تعليق لها على موقع فيسبوك: “كنا في الأمس في أحد المشافي وكان الأطباء يتكلمون عن نقص الأوكسجين والأعداد المتزايدة من مرضى كورونا.”
فيما قالت لجين الشوفي، وهي طبيبة في مشفى الأطفال بدمشق: “بالتأكيد في عقلكم لا يوجد نقص الأوكسجين لكن على أرض الواقع الوضع مختلف.”
والأسبوع الماضي، شدد حسن الغباش، وزير الصحة في الحكومة السورية، في تصريح لوسائل الإعلام الموالية، على استعداد حكومته لتأمين دفعات إضافيّــة لمواجهة أزمــة الأوكسـجين في لبنـــان “دون أن يـؤثر ذلك على منظومة الأوكسجين في سوريا.”
تغطية واقع افتراضي
وأثارت تصريحات الوزير ردود أفعال غاضبة على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال نداءات لذوي المرضى لتأمين الأوكسجين لمرضاهم بسبب فقدان المادة من السوق واحتكارها من قبل بعض التجار.
وقال فادي خير الدين (28 عاماً)، وهو اسم مستعار لخريج في كلية الإعلام بجامعة دمشق، إن وسائل الإعلام الموالية للحكومة السورية تغطي حياة افتراضية بعيدة عن الواقع الذي يعيشه المواطن السوري.
وأضاف: “في قضية نقص الأوكسجين في المشافي الحكومية.. رغم أن هذا النقص هو أمر واقع والدليل مناشدات السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي لتأمين المادة لكن هذا الإعلام يتحدث عن فائض في المادة.”
وتساءل: “طالما أن هناك فائضاً في الأوكسجين، لماذا إذاً كل هذه المناشدات للحصول على المادة؟ ولماذا لا تتوفر في المشافي؟.”
ورأى “خير الدين” أن خطاب الإعلام الموالي يعكس حالة من التخبط التي تعيشها الحكومة في ظل عدم قدرتها على معالجة الأزمات الراهنة وقراءتها بطريقة واقعية.
وتواجه مناطق سيطرة الحكومة السورية أزمات متلاحقة، تبدأ من طوابير الخبز وليس انتهاءً بالمحروقات، ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية المتأثر بانخفاض قيمة الليرة السورية أمام العملات الأجنبية الأخرى.
“استغباء لعقول السكان”
وأثارت تصريحات محمد سامر، وزير الاقتصاد في الحكومة السورية، حول توفر كفاية من المنتجات الزراعية وعدم وجود احتكار للمواد الأساسية المستوردة من قبل التجار، جدلاً واسعاً في أوساط سكان دمشق.
ونقل التلفزيون الحكومي عن “سامر”، يوم أمس الأربعاء، قوله: “لا يوجد احتكار من قبل أي تاجر لأي مادة مستوردة. كما أن واقع الإنتاج الزراعي جيد وهناك كفاية من المنتجات الزراعية والغذائية.”
وقالت دينا كيكي (36 عاماً)، وهو اسم مستعار لخريجة كلية الاقتصاد بجامعة دمشق، إن إظهار الإعلام السوري على أن الأوضاع جيدة والأزمات غير موجودة، يظهر مدى بُعده عن الواقع.
وأضافت: “إذا كان الواقع الزراعي جيداً وهناك وفرة في المواد الغذائية، لم نكن لنجد أزمة خبز خانقة ولم نكن لنشهد هذا الارتفاع الجنوني في أسعار الخضار والفواكه وباقي المنتجات الزراعية الأساسية.”
ورداً على عدم وجود احتكار للمواد المستوردة، قالت كيكي: “هذا كذب وافتراء واستغباء لعقول الناس.. نحن والجميع يعلم من يحتكر استيراد مادة السكر كما نعلم من هو محتكر استيراد أجهزة الموبايل والكمبيوتر.”
واعتبرت “كيكي” أن “تجميل الأوضاع الراهنة هو سمة الإعلام الموالي الذي لا يصدقه حتى الموالون للحكومة السورية.”
وكانت صحيفة “الوطن” شبه الرسمية، قد نشرت، في السابع عشر من آذار/ مارس الفائت، لقاءً مع الخبير التنموي والمستشار لدى اتحاد غرف الزراعة السورية أكرم عفيف، وتداولته معظم وسائل الإعلام الموالية للحكومة السورية، ما أثار ردود أفعالٍ.
“عادات استهلاكية سيئة”
وبرر “عفيف”، في اللقاء، الضائقة المالية بسوء العادات الاستهلاكية للمواطن السوري الذي اعتبر أنه يشتري الخضار والمواد الأساسية بكميات تزيد عن حاجته.
وقال: “عاداتنا الاستهلاكية ليست سليمة، فحتى اليوم نشتري ما نحتاجه بالكيلو أو بالصندوق أو الفلينة، ونخجل من الشراء بالحبّة، كما يفعل الأوروبيون الذين سبقونا بهذا المجال.”
وأضاف: “مشكلتنا أننا نعيش اليوم كأننا نعيش قبل الأزمة، يجب أن نتجه لشراء الخضراوات والفواكه الرخيصة، وحاجتنا فقط، وليس بالضرورة أن نشتري بالكيلو.”
وتهكم فهد المصري (43 عاماً)، وهو اسم مستعار لرسّام مقيم في حي القيمرية بدمشق القديمة، على تصريحات “عفيف”، وقال: “نعم في كل الأزمات الذنب على المواطن، فهو سبب أزمات الغاز والمحروقات والخبز.”
ورأى “المصري” أن تصوير الإعلام الموالي، الوضع في سوريا على أنه مثالي، مع بعض المشاكل القليلة، يظهر حجم ” الانحدار المهني والأخلاقي له.”
ووصف “المصري” الإعلام الرسمي وباقي وسائل الإعلام الموالية للحكومة بـ”أبواق للسلطة.”