يتذكر محمد علي، وهو اسم مستعار لشاب ثلاثيني، من سكان حي الفردوس شرقي حلب، كيف كان يتعاطى وأصدقاؤه عندما كانوا صغاراً بعض المواد المخدرة “ولكن بحذر شديد وخفية.”
ومؤخراً، باتت ظاهرة تعاطي الحبوب المخدرة ومادة الحشيش شائعة في أحياء حلب الشرقية.
وتعاني هذه الأحياء من الإقصاء والتهميش الحكومي وغياب الوعي، الأمر الذي دفع شباناً فيها إلى تعاطي المواد المخدرة بشكل شبه علني.
نتاج للحرب
وكانت الحرب السورية المستمرة منذ عشر سنوات وما رافقها من انفلات أمني، من أهم عوامل انتشار وترسخ تعاطي المواد المخدرة بشكل شبه علني.
وقال “علي” لنورث برس: “كان تعاطينا للمخدرات قبل الأزمة خطر جداً، كنا نلجأ لتمويه مادة الحشيش عبر وضعها ضمن سيجارة من الدخان الوطني.”
وأشار إلى أن عدد الشبان الذين يتعاطون المخدرات في تلك الفترة كان قليلاً جداً، وفي حال كُشف أمرهم، فإنهم يصبحون منبوذين مجتمعياً عدا عن ملاحقتهم أمنياً.
وفي السابق، كان وجود المتعاطين وتجار المواد المخدرة يتركز في حي الفردوس، على اعتباره أحد الأحياء الشعبية والعشوائية في حلب.
ولكن اليوم، الأمور اختلفت جذرياً، بحسب “علي”، فالمواد المخدرة متوفرة “وعلى عينك يا تاجر، فقط ادفع وتعاطى.”
وأضاف: “زادت نسبة المتعاطين من الشباب في ظل التغافل الأمني، حتى أنهم باتوا يتباهون بتعاطي المخدرات وأنهم يعيشون بلا حسيب أو رقيب.”
وتسببت الحرب في نشر المواد المخدرة بشكل كبير، “المروجون والمتعاطون في كل الأحياء، والتجار الكبار هم من النافذين والمقربين من مسؤولين في الدولة.”
وبدأ الانتشار الكبير للمواد المخدرة في الأحياء الشرقية لحلب مع بداية الحرب السورية.
وفي نهاية عام 2016 سيطرت قوات الحكومة السورية على أحياء حلب الشرقية بعد إخراج فصائل المعارضة التي سيطرت عليها 2012.
وقال غياث جابر (40 عاماً)، وهو اسم مستعار لأحد سكان حي المرجة ضمن الأحياء الشرقية لحلب، “تزامن الانتشار الكبير للمواد المخدرة مع دخول الفصائل المسلحة لتلك الأحياء.”
ولجأ الكثير من الشبان إلى تعاطي الحبوب المخدرة “التي تعرف بأسمائها التجارية البلتان والكبتاغون، وكانت تباع عن طريق أشخاص معروفين ومقربين من الفصائل المسلحة”، بحسب ” جابر”.
وأضاف: “بعد خروج الفصائل من حلب استمر التعاطي والإتجار وبشكل أوسع وأصناف مخدرة جديدة لاسيما الترامدول وحشيش الكيف وأيضاً عن طريق أشخاص مقربين من الأجهزة الأمنية الحكومية.”
ولم يقتصر تعاطي المخدرات في الأحياء الشرقية لحلب على الشبان، “بل انتشر حتى بين القاصرين وبعض الفتيات أيضاً”، بحسب “جابر”.
وسيلة لكسر الخوف
الحبوب المخدرة التي تنتشر بشكل كبير بين الشبان المنضوين في صفوف القوات الحكومية أو القوات الرديفة لها تعتبر بالنسبة للكثير منهم عاملاً مساعداً لخوض المعارك دون أي مخاوف، بحسب ” أحمد مصعب” (28 عاماً) وهو اسم مستعار لأحد عناصر القوات الحكومية.
وأضاف لنورث برس: “منذ انضمامي للواء القدس (قوة رديفة للقوات الحكومية)، اعتدت على تعاطي حب مخدر يسمى بالتان لاندري، وله مفعول قوي على الدماغ بحيث يضع فيه حالة شعورية غريبة اندفاع وحتى تهور.”
وكانت الحبوب المخدرة تنتشر بين صفوف التشكيلات العسكرية، “والقيادة لم تسأل عن المصدر ولم تحاسب المتعاطين. يتم توزيع المخدرات بالمجان وبكميات معقولة بداية كل معركة”، بحسب “مصعب”.
“ولكن المشكلة تكمن في اعتيادنا على تعاطي تلك المواد”، يقول “مصعب”.
وأضاف: “أصبحنا في حاجة لها في منازلنا، وهنا تبدأ مشكلة التكاليف المادية. أصرف مبالغ كبيرة على المواد المخدرة. غرامات قليلة من الحشيش وقليل من الحبوب تكلف مبلغاً قد يصل لـ50 ألف ليرة.”
زراعتها والإتجار بها
ورغم الإجراءات الأمنية المشددة وحملات تفتيش الصيدليات وملاحقة المروجين في حلب، لاتزال لهذه المواد سوق نشطة في الأحياء الشرقية للمدينة وبعض مناطق الريف الشمالي.
ويأتي هذا في ظل غياب السيطرة الفعلية والخدمات الحكومية عن هذه المناطق التي باتت بؤرة لانتشار المواد المخدرة، بحسب مصادر.
وأرجع “سومر”، وهو مسؤول مفرزة أمنية في حي الميسر بحلب الانتشار الكبير لتعاطي المخدرات والتجارة بها، لغياب الرقابة الأمنية.
وأضاف: “التجار استغلوا فترة الحرب وانشغال الحكومة، ليقوموا بزراعة الحشيش، لا سيما في بلدتي نبل والزهراء، حيث وجدت قاعدة لتجارة المواد الممنوعة بين مجموعة من عصابات الزراعة والإتجار.”
وفي أحياء حلب الشرقية، تم العثور على الكثير من المنازل التي كانت تسيطر عليها فصائل مسلحة وفيها كميات من الحبوب المخدرة، بحسب “سومر”.
فقر وتهميش حكومي
وشكلت الأوضاع الاقتصادية الصعبة والتهميش الحكومي لأحياء حلب الشرقية، دوراً كبيراً في نشر ثقافة تعاطي المواد المخدرة.
وقال كامل أحمد (43 عاماً) وهو اسم مستعار لصيدلاني في حي الميسر من أحياء حلب الشرقية، لنورث برس، إن “الكثير من الحبوب التي يتم تعاطيها كمواد مخدرة، هي بالأصل عقاقير طبية توصف لمرضى نفسيين ومن لديهم مشاكل بالجهاز العصبي.”
وأضاف: “لا أحد يعلم كيف تتوفر هذه المواد بهذا الكم في هذه الأحياء مع أن أثمانها تعتبر مرتفعة قياساً بالأدوية والعقاقير الأخرى.”
وحمّل “أحمد” الحكومة السورية مسؤولية تزايد هذه الظاهرة، “المخدرات آفة مجتمعية لم تقم الحكومة بعد بأي إجراء حقيقي لمعالجتها.”