الرئيسيتحقيقات

السحر والشعوذة في منبج.. تفتيت للأسر وخلط للدين بالخرافة

منبج – نورث برس

يوماً بعد آخر، يتزايد إقبال سكان في منبج شمال حلب، على المشعوذين والسحرة الذين يدّعون قدرتهم على حل المشكلات والمساعدة في مواجهة الظروف القاسية التي يعيشها الناس، مستغلين تردي الأوضاع المعيشية بشكل كبير، وحالة الجهل المنتشرة بين شريحة كبيرة في المجتمع. 

واستغرب سكان تحدث إليهم معد التحقيق الموقف “الحيادي” الذي تتخذه “الإدارة المدنية” في المدينة إزاء هؤلاء “على الرغم من أساليبهم المشبوهة وطرقهم الواضحة في استغلال الناس.” مطالبين بوضع حدٍّ لهذه الظاهرة بدلاً من اشتراطها للتدخل بتقديم شكوى بشكل مباشر من أحد المتضررين.

في هذا التحقيق، تحاول “نورث برس” كشف خفايا عالم السحر والدجل الذي تحول إلى ظاهرة خطيرة تؤرق مجتمع منبج وتهدد تماسكه “الهش” بفعل الحرب والجهل اللذين ضربا المدينة، كما فعلا في معظم الجغرافيا السورية.

انتحال صفة

بكاميرا سرية توجه معد التحقيق إلى دار أحد السحرة المعروفين، رفقة فتاة انتحلت صفة امرأة متزوجة تعاني مشكلات زوجية. وصلنا إلى مكان إقامة الساحر بالقرب من السوق الرئيسي. دخلنا إلى ردهة الانتظار ريثما يُسمح لنا بمقابلته.

كان هناك العديد من النساء المنقبات ومن مختلف الأعمار، ثمّة طفلة لا تتجاوز الثانية عشرة من عمرها تقوم بتسجيل الأسماء وتنظيم الدور، تبين خلال حديثها معنا أنها ابنة الساحر.

بعد انتظار لنحو ساعتين دخلنا إلى حجرة الساحر. غرفة صغيرة مظلمة يدخل إليها الضوء من إحدى النوافذ. تنبعث منها رائحة بخور، وعلى جدرانها رفوف وضع عليها العديد من الكتب، فيها رجل في العقد الرابع من العمر يجلس على الأرض وأمامه كتب وأوراق مكتوبٌ عليها أحرف وكتابات لا يمكن قراءتها، وبجانبه عكاز يزعم أنه يستعمله لإخراج الجن المتلبس في الشخص.

بدأت الفتاة شرح مشكلتها. دار نقاش بينهما استمر قرابة ربع ساعة. سألها عن اسم زوجها واسم أمه وأبيه، إضافةً لاسمها واسم أمها وأبيها. وعدها بحل المشكلة، ولكن يجب أن تأتي في اليوم التالي لأخذ ما كتبه لها من أسحار لزوجها وتعليمها طريقة الاستعمال.

منزل ساحر معروف في منبج (تم تصويرهما بكاميرا سرية )

في اليوم التالي ذهبنا إليه كما طلب. أعطانا أوراقاً عليها كتابات عجزنا عن قراءتها، وشرح للفتاة كيفية الاستعمال، فهناك أوراق تُحرق في النار، وأخرى تُحمل بكتف الفتاة.

بحسب سكان من منبج، يسكن معظم السحرة بأماكن نائية بعض الشيء، وتكون الحركة فيها قليلة، ويبلغ عددهم قرابة خمسة عشر ساحراً، بينهم امرأة، موزعين على المدينة والريف. يختلف الإقبال عليهم بحسب إيمان الناس بقدرات كلٍّ منهم ونجاح أعمال السحر التي يقوم بها في تحقيق الغرض منها، ويعملون في هذه المهنة منذ مدة طويلة، وزاد عددهم مؤخراً بفعل الحرب وانتشار الجهل.

الساحر يشرح للفتاة طريقة استخدام السحر

في هذا الإطار حاول معد التحقيق التواصل مع مسؤولين بالإدارة المدنية في منبج لمعرفة وجهة نظرهم حول ممارسات هؤلاء، إلا أنه لم يتلق أي رد. 

يقول إمام أحد المساجد في المدينة (رفض الكشف عن اسمه) إن قسماً كبيراً من السحرة فر في فترة سيطرة تنظيم (داعش) على منبج، إضافة لقتل التنظيم لبعضهم بدعوى أنهم يشركون بالله ويدّعون العلم بالغيب، ولكن بعد أن طرد التنظيم من المدينة عادوا لمزاولة أعمالهم وبشكل أوسع من السابق.

يختلف ثمن ما يتلقاه الساحر مقابل عمله من ساحر إلى آخر، وبحسب مقابلات “نورث برس” مع بعض الأشخاص ممن زاروا ساحراً أو أكثر، يتقاضى هؤلاء مبالغ تختلف بحسب السحر والغاية منه، فسحر جلب المحبة يكلف صاحبه قرابة 15000 ليرة سورية، أما التفريق فيكلف قرابة 50000 ليرة سورية.

مهنة من لا عمل لهم

كان معظم السحرة أشخاصاً عاديين، بعضهم عمال لم يكونوا ليجدوا ثمن رغيف الخبز، وبعضهم تجاراً بارت تجارتهم بفعل الحرب، فتوجهوا إلى مزاولة هذا العمل الذي يدر أرباحاً أكبر من أي عمل آخر، وجميعهم أوهموا الناس بأن لديهم قدرات خارقة يستطيعون من خلالها تحضير الجن وطرده من الجسد.

يتراوح عدد المراجعين بحسب جيران أحد الشيوخ “السحرة” في مدينة منبج ما بين عشرين إلى ثلاثين مراجعاً بشكل يومي، وتصل قيمة المبالغ التي يتلقاها الساحر يومياً نحو مائتي ألف ليرة سورية.

أمراض عجز الطب عن علاجها

يقول موسى الخلف (33 عاماً)، من مدينة منبج، وهو أحد ضحايا السحر: “عانيت من أمراض عديدة. ألم مزمن في الرأس يرافقه ألم في البطن، ذهبت إلى أكثر من طبيب وأجريت العديد من التحاليل والفحوصات دون جدوى، كنتُ مريضاً بمرضٍ عجز الطبيب عن تشخيصه وعلاجه” حسب قوله.

يضيف: “بقيت على هذه الحالة مدة ثلاثة أشهر، لم أترك خلالها عيادة طبيب في منبج إلا وزرتها، ولكن دون جدوى، كانت حالتي تسوء وحبوب المسكن لم تعد تفي بالغرض، لا بل زادت عصبيتي في المنزل، ولم أعد أحتمل أحداً.”

ويروي موسى كيف قرر التوجه إلى أحد الشيوخ: “في أحد الأيام اقترح عليّ صديق أن أذهب إلى شيخ (ساحر) باعتبار أن مرضي لا علاج له عند الطبيب، واصفاً حالتي بأنها “مرض شيوخ”، أي أن أحداً ما قد يكون كتب لي سحراً، فما كان مني إلا أن وافقت على الفور لشدة مرضي ويأسي.”

وبالفعل ذهبت إلى الشيخ الذي أكد لي “أنت مسحور”، كما ذهبت إلى غيره، وواحداً تلو الآخر كلهم أجمعوا على أني مسحور، وعند آخر شيخ قررت أن أعالج نفسي.”

طلب الشيخ منه أنواعاً محددة من البخور، وكتب له ورقة شرح فيها طريقة التنفيذ: “بعد أن أُشعل البخور عليّ أن أشرب الماء الذي حُلّت فيه الورقة مدة ثلاثة أيام، واشترط عليّ ألا أجامع زوجتي قبل مضي شهر. اتّبعت إرشاداته وبعدها لم يبقَ لدي مرض” كما يدّعي موسى، ووصلت كلفة علاجه إلى 250 ألف ليرة.

موسى الخلف

بالرغم من كل ذلك، يقول موسى: “إلى الآن ما زلت لا أؤمن بهذه الخرافات أو الخزعبلات، لأن الساحر هو أساس مشكلتي، ولولا وجوده وأمثاله من السحرة لما ذهبت أنا أو غيري إليهم”، مؤكداً “هم سبب الداء وعلاجه.”

أمراض نفسية

يعتقد يوسف الأحمد وهو طبيب متخصص في الأمراض الداخلية ويعمل في منبج، أن السحر موجود وذُكر في القرآن الكريم، ويشير إلى أنه خلال عمله رأى بعضاً من القصص “الواقعية” لبعض مرضاه “لم أجد لها تفسيراً طبياً أو علمياً شافياً” على حد تعبيره.

وأرجع الطبيب أسباب عدم تعافي المرضى بالأدوية وشفائهم بالمقابل على يد المعالجين بالقرآن، أو ممن يدّعون أنهم يخرجون الجن إلى أمراض نفسية يصاب بها المريض ويتوهم أنه لا يمكن أن يشفى من مرضه إلا بالذهاب إلى الشيخ ومن هذه الأمراض (الفصام والوسواس القهري ومرض توهم الأمراض وهذا الأخير شائع كثيراً.”

ويكشف الطبيب “الأحمد” عن بعض ما سمعه من الأشخاص الذين لجؤوا إلى السحرة “منهم من شرب البول أو دم الحيض من زوجته وذلك بطلب من الساحر ليصبح كالخاتم في إصبعها.”

وقال: “إذا حلّلنا هذه المواد نجد أنها سامة، ولكن لا تأخذ مفعولها وتصبح مرضاً مزمناً إلا بعد تناولها لفترات طويلة.”

ولكن “الأحمد” يقول: “لا أستطيع الجزم مطلقاً أن السبب وراء بعض الأمراض المستعصية هو السحر.”

“لم أقصد إيذاءه.. ولكن”

فاطمة عزيز، وهو اسم مستعار لسيدة من مدينة منبج تبلغ 33 عاماً، كانت ضحية للسحرة.

تروي فاطمة قصتها مع السحرة لـ”نورث برس” فتقول: “تزوجت قبل عام. كنتُ الزوجة الثانية لرجل وجدت فيه الحب والأمان في بداية زواجنا، لكن سرعان ما تلاشى كل ذلك وأصبح يعاملني معاملة سيئة ويفضّل زوجته الأولى عليّ.”

من هنا بدأت الغيرة تنهش في عقل فاطمة وقلبها كما تقول، “الأمر الذي دفعني للذهاب إلى أحد السحرة في المدينة، لأكتب لزوجي سحراً يعيده إليّ كما كان في بداية زواجنا.”

بعد زيارتها للساحر، وإعطائها الوصفة اللازمة وكيفية استعمالها مقابل 100 ألف ليرة، بدأت فاطمة بتنفيذ ما طلب منها “قسمٌ يجب أن يشربه زوجي والقسم الآخر يجب أن أحرقه.”

وتقول: “كنتُ مستعدة لدفع أي شيء مقابل استعادة زوجي وجعله يفضلني على زوجته الأولى.”

لكن ما حصل كان خارج حسابات الزوجة الغيورة “بعد مضي فترة قصيرة مرض زوجي وزادت شكواه وآلامه، فأنبني ضميري على ما فعلته.”

عادت فاطمة أدراجها إلى نفس الساحر تطلب منه إبطال السحر، لكنه لم يفعل “والآن يأكلني الندم وأكره الساعة التي قررت فيها زيارة الساحر، فغيرتي دفعتني لخسارة زوجي، وهو الآن مريض لا علاج له.”

فاطمة عزيز

هذه القصة الواقعية، وغيرها الكثير تؤكد أن النساء تشكلن النسبة الأكبر من مرتادي بيوت السحر، وطبيعة مدينة منبج العشائرية قد تكون أحد الأسباب، ذلك أن معظم الفتيات يُمنعن من ارتياد المدارس، ويهيأن للزواج في سن صغيرة، ما يسهّل التحكّم بهن ووقوعهن في شباك السحرة، ناهيك عن الغيرة لدى المرأة التي تدفعها لفعل أي شيئ بهدف زيادة اهتمام أزواجهن أو منعهم من الزواج بثانية أو أكثر.

طلاسم.. و “رقية لقتل الجن”

قصة سحر أخرى، كان هدفها هذه المرة، رجل في الواحد والثلاثين من عمره.

يقول أحمد الأحمد، وهو من أبناء مدينة منبج، أنه أثناء عمله في تقليم الأشجار أمام منزله، عثر على كيس معلق في أحد الأغصان “عند فتح الكيس وجدتُ شعراً وقطعة جلد ماشية، بالإضافة إلى أوراق كتبت عليها كلمات غير مفهومة.”

ويروي “الأحمد” تفاصيل ما حصل معه “شككتُ في بداية الأمر بزوجتي، معتقداً أنها قامت باللجوء إلى السحر كي لا أتزوج عليها وأبقى طوع أمرها، لكنها أنكرت وحلفت على القرآن أن لا علاقة لها بالأمر، ووصلت الأمور بيننا إلى الطلاق، ولكنني تراجعت في آخر لحظة، فهي أم أطفالي ولا دليل لدي يثبت اتهاماتي.”

أحد مشايخ الرقية الشرعية في منبج (رفض الكشف عن اسمه) أكد في اتصال مع “نورث برس” أنه يعالج قرابة 10 حالات يومياً معظمها إصابة بالسحر.

ووفقاً للشيخ، يختلف العلاج بحسب الطريقة التي اكتشف فيها السحر، “إذا تم السحر عن طريق الطعام أعالج المريض بالماء والزيت بعد أن أقرأ عليه آيات من القرآن لتصبح هذه المواد بعدها مرقية وتستطيع قتل الجن الموجود في معدة المريض.” بحسب زعمه.

أما السحر المرشوش أو المدفون فيجب الوصول إليه والتخلص منه بغسل كتاباته بالماء، وإلا فلن تُحل المشكلة، بحسب ما يقول الشيخ.

أشد من القتل

من جهته، يصف الشيخ عبد الرزاق كالو، مفتي مدينة منبج، السحر بأنه “جريمة كبرى” لا تغتفر، مستشهداً بحديث رسول الله عن “السبع الموبقات” حيث عدّ الشرك في الله أول وأكبر الموبقات، وبعدها السحر، ثم يليها قتل النفس، “السحر عند الله أشد من قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق.”

الشيخ عبد الرزاق كالو، مفتي مدينة منبج

ويشير كالو إلى الانتشار الكبير للسحر في مدينة منبج، لكنه فرّق بين المشعوذ والساحر “الساحر هو من يقوم بأعمال السحر التي من شأنها تخريب المجتمع وتسعى للتفريق بين أفراده، أما المشعوذ فهو ذلك الذي يدعي علمه بالغيب وقدرته على التنبؤ بالمستقبل كالعرافين الذين يقرؤون الكف.”

ودعا المفتي “كالو” السكان في منبج أن يحذروا مما يفعله السحرة، “فغاياتهم لا تتوقف عند مقابل مادي، قد يكون المقابل جنسي مع العديد من النساء، بحجة أن الجن يريد مضاجعتها من أجل أن يكون السحر مكتملاً ويفي بالغرض.”

ويلفت المفتي إلى عدة حالات وصلته من بعض النساء تطلب فيه حلاً وطريقاً إلى التوبة بعد ما حصل لها “من بينها حالة لفتاة ذهبت إلى أحد السحرة، وبعد ما رأى من جمالها طلب منها ممارسة الجنس بحجة أن الجني يطلب ذلك ليكون السحر قوياً ويفي بالغرض.” بحسب كالو.

ووجه المفتي رسالة في نهاية حديثه إلى النساء اللواتي لديهن خلافات مع أزواجهن “إلى اللجوء لطرق أخرى يمكن أن تصلح الحال بينهما دون اللجوء إلى السحرة أو المشعوذين، فهم بحاجة إلى مراجعة أنفسهن قبل الذهاب وعمل السحر، وسيجدن أنفسهن أنه باستطاعتهن التفاهم معهم والعودة كما كانوا سابقاً.”

تحقيق: صدام الحسن – تحرير: سامي شحرور

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى