الرئيسيثقافةسوريا

مزن مرشد: كنت تلك الروح الهائمة لرجل راحل في قصة “الغائب”

القامشلي – نورث برس

بعب إصدار القاصة والصحفية والناشطة السياسية والحقوقية، مزن مرشد، مجموعتها القصصية “خارطة بالأقدام”، عام 2017، لم تلاقي مجموعتها القصصية الأولى الاهتمام الكافي.

القاصة والصحفية والناشطة السياسية والحقوقية، مزن مرشد

وفي تصريح، لنورث برس، قالت “مرشد”، إنه “قد تم نشر خبر صدورها من قبل الزملاء الصحفيين في عدد من الصحف العربية والمواقع الالكترونية السورية، كما قام بعضهم بتقديم قراءة فيها، لكن هذا الاهتمام لم يتجاوز فترة الصدور فقط.”

وأضافت أنه “انطفأت موجة التغطيات ومعها انطفأ خبر المجموعة أيضاً، وكان هذا الترويج المبدأ هو بحكم وجودي في الوسط الصحفي والتغطيات تمت من قبل أصدقاء وزملاء جمعتني بهم المهنة والعلاقة الطيبة.”

وأشارت إلى أنه “كلنا يعلم أن قضية الترويج للكتاب هي على دار النشر، لكن الدار التي نشرت مجموعتي كانت داراً ناشئة، ولم يكن للقائمين عليها الخبرة الكافية اللازمة للترويج”.

و “قد أُقفلت الدار بعد وقت قصير لذات الأسباب التي ذكرتها واعتقد هذا هو السبب بعدم أخذ المجموعة لحقها كتاب قصصي أدبي سوري.”

جارتي

وعن صورة المرأة، قالت “مرشد”، أنه” لم يكن الهدف من قصة جاراتي من باريس تسليط الضوء على نظرة النساء العربيات مع المرأة السورية، بل أردت أن أوضح كيف هي علاقة النساء العربيات مع القضية السورية.”

وشددت أنه “خلال ثمان سنوات من إقامتي في عدة دول أوربية بين السويد وايطاليا ومن ثم استقراري في فرنسا، أقولها وبكل أسى، لم تسألني سيدة عربية واحدة عن وضع الحرب في سوريا.”

ولم يسألوني عن “أطراف الصراع أو عن الوضع الانساني، ولم تستفسر إحداهن أبداً عن طريقة خروجي من البلاد، او لماذا أو ماذا حصل بالفعل”.

 وأضافت أنه” كان جل اهتمام النساء العربيات، وللأسف الشديد، هو السؤال عن الدراما السورية، وعن أخبار الممثلين السوريين إن كنت أعرفهم شخصياً – كوني صحفية ومعدة برامج ولي برنامج فني في رمضان.”

وتساءلوا “ماذا أعرف عن حياة الفنانين الخاصة، وأسئلة أخرى حول معاني الكلام السوري الدارج مثل ( تؤبرني، تشكل آسي، فشرت….الخ) وهذا ما كان يجرحني حقيقةً، فأجيبهن مبتسمة وقلبي يبكي على حالنا.”

وعن قصة الجحر، قالت”مرشد”، انها “بالمناسبة من القصص المفضلة عندي، حاولت ولو قليلاً أن أصور لحظات لما بعد جلسة التعذيب في المعتقلات السورية.”

كما أن كل ضحية من “المعتقلات السورية سيشعر بهده التفاصيل حيث يصبح الموت أمنيةً للمعتقل في ظل تعذيب وحشي يأكل من روحه وإنسانيته، وفي ظل مستقبل مجهول تماماً.”

وأضافت أن” بالنسبة له دون محاكمة، دون حقوق، دون محامي دفاع، دون أي أمل أو توقع بموعد للخروج، ولذلك يصبح الموت خلاص وأمل بالانعتاق، من معتقل لا يميزه عن القبر سوى أن نزيله قادر على التنفس.”

الغائب

وعن الشوق في قصة “الغائب”، قالت: هو “شوقنا لأناس غالين على قلوبنا وفارقونا باكراً، هو السؤال الأكثر حضوراً عند الإنسان منذ وجوده على هذا الكوكب: ماذا بعد الموت؟ معضلة الاستمرار بعد الموت”.

وأشارت “مرشد”، إلى أن “الموضوع الشائك الذي شغل الميثولوجيا منذ بداية وعي الإنسان، وانتقل إلى الأديان فيما بعد، وظل السؤال عالقاً وبلا إجابة، رغم كل ما توصلت إليه البشرية من تطور علمي وطبي وتقني.”

وأضافت أن “تلك القصص الكثيرة التي نسمعها عن الأشباح، وظهور الأموات لأقاربهم ومنها ما أكد أصحاب التجربة لحقيقتها ومنها ما بني عليه أفلاماً سينمائية منها مرعبة، ومنها رومنسية والغريب أن معظمها أُخذ عن قصص حقيقية.”

وتستمر في السرد “حاولت من خلال قصة الغائب أن أكون أنا تلك الروح الهائمة لرجل راحل، وعاد محاولاً الاطمئنان على أسرته الصغيرة.”

وشددت على “ما يرافق تلك الروح، من شعور بالعجز والألم ما يجعل من هذا الحضور غير القادر على فعل شيء حضور باهت فارغ، فلن تغير شيئاً من حالة الفقد عند الأحياء، و حالةً من القهر والعجز عند الأرواح الراحلة.”

وتحدثت عن الموت في قصة “أريد أن أعيش بذاكرة سمكة” قالت “مرشد”، أنه “لم يشهد العالم في العصر الحديث موتاً كموت السوريين حتى في الحربين العالميتين لم يكن للموت طرقه السيئة كما كان موت السوريون.”

وتحدثت عن أنواع الموت “جرب السوري الموت بالقصف والموت بالرصاص والموت تحت الركام والتفجير وقد يكون هذا الموت مثل موت كل الحروب لكن الموت الأقسى كان الاستشهاد تحت التعذيب.”

وتساءلت كيف لشخص أن “يزهق روح إنسان ورؤية ألمه وعذابه لتغادره الحياة دون أن يرف له جفن، صار الموت في المعتقلات السورية كابوساً يلاحق السوريين.”

وأضافت “مرشد”، أنه “عندما حاول السوري الهروب نحو موطن آمن اضطر لركوب البحر، فكان الغرق ليصبح السوري طعاماً لأسماك البحر، فلم أقرأ ولم أسمع في التاريخ أقسى من موتنا الذي بات أعداد الموتى فيه مجرد أرقام.”

زواج

وتحدثت عن الزواج المدني في قصة “رجل”، وقالت “مرشد”، أنه “بالطبع وبدون أدنى شك أنا مع أي صيغة من صيغ الزواج تعطي الحق لحبيبين، أن يقضيا حياتهما معاً مهما اختلفت ديانتهما أو طائفتهما أو عرقهما أو جنسيتهما.”

فالمؤسسة الزوجية لا يمكن أن تبنى بشكل صحيح وهي مقيدة بأحكام المجتمع والذي يفرض أحياناً أن يجمع زوجين لا يربط بينمهما أي رابط سوى القبول الاجتماعي. بحسب ما قالته مرشد.

وأشارت إلى أنها “قصة رجل وامرأة، هي قصة حقيقية وكثير من حالات التعاسة التي فرضها القانون والمجتمع، عندما حال دون اجتماع حبيبين في بيت واحد، أرادا أن يكملا حياتهما معاً، ومنعهما الزواج الديني والعرف الاجتماعي.”

وعن شعر الفتاة الذي تحول إلى الوسادة في قصتها، قالت “مرشد”،  أنني “حاولت أن أدخل إلى عمق حالة الفقد عند الشريك الآخر للمعتقل، الطرف الآخر في تجربة الاعتقال، فرسمت قليلاً من إحساس الزوجة أو الحبيبة بعد اعتقال محبوبها.”

أنها تفكر “بقص شعرها وتعطيره وحشوه في وسادة تهديدها لحبيبها في معتقله لتكون الوسادة حضوراً فيزيائياً لها داخل زنزانته، فتتحول الوسادة إلى رمز للحب بين المعتقلين وإلى رمز للمرأة الغائبة داخل جدران سجنهم.”

وتعرف أن “الحب نوع من الشغف، العشق لا يزول ولا ينتهي بين البشر، فهو جزء أصيل من مشاعر الانسان، ولا يمكن العيش بدونه.”

وأضافت “مرشد”، أنه “خلال الحرب السورية التي ما تزال ممتدة منذ عشر سنوات سمعنا ورأينا الكثير من حالات العشق الأصيل التي جعل منها الغرق أو الاستشهاد أو الرحيل قصصاً تُروى.”

“منهم فرقهم الموت بكل أسبابه السورية، ومنهم من فرقهم النزوح واللجوء، وكُثر فرقهم الموقف السياسي، السوريون اليوم يدفعون ثمناً باهظاً لكل شيء بما في ذلك لحبهم ومشاعره”، بحسب “مرشد”.

أحاسيس

وعن الأحاسيس الخاصة في قصة” النهر”، قالت “مرشد”، أنه من خلال “علاقتي بجسدي بشكل عام، وحساسيتي بشكل خاص، أكثر من حواسي تجاه الأشياء والحياة بشكل عام.”

فشخصياً “اعتمد على حدسي كثيراً، وأغرق في تفاصيل اللحظات التي تحرك في داخلي إحساس عميق وتحرض فكرة أو لحظة حدس تسيطر على تفكيري باللاشعور”، حسب مرشد.

وأضافت أنني “أغرق غرقاً حقيقياً باللحظة، لتأخذني إلى عوالم بعيدةً كل البعد عن الواقع وقد تكون في أحيانٍ كثيرة استقراءً للحظات قادمة كتكهن خفي بالمستقل.”

وعن سحر الطرقات، قالت أن “قصة (خارطة بالأقدام) تمثلني، أنا نفسي أحب المشي حافية القدمين في شوارع معينة، وأقاوم سحر الطرقات لكنني أضعف في نهاية المطاف.”

وأضافت أنني “أتخلص من حذائي سريعاً وأضع قدمي العاريتين على الطريق، وأحياناً كثيرة ما أن تلامس قدمي الحافيتين الطويق حتى أقف لردهة وأغمض عيناي.”

بينما “أشعر أنني أتوحد مع الطريق، أصبح جزءاً من روحه.. أؤمن بعمق أن للأماكن أرواح، كذلك للطرقات وأشعر بأنني أستطيع أن أتواصل معها من خلال ملامستها بقدمين عاريتين”.

معاناة

وعن الحبل السري في قصة “سجن” قالت “مرشد”، أن “التشاؤم كان حاضراً في قصة سجن حيث أصبح الحبل السري الذي يهب الحياة للمولود، مشنقة لطفلة قصتي.”

وأضافت أنه “عندها كنت أقوم بالتطوع مع النساء المنفيات في سوريا من خلال تطوعي في العمل مع منظمات حقوق الإنسان.”

وكنت “أنصدم لما أراه من حيف بحق النساء وما يعانين من اضطهاد اجتماعي في مختلف البيئات ومن حرمان من التعليم أو حرية الخيار أو حتى حرية الانفصال في بيئات أخرى تتحجج بالدين والشريعة وتنظر للمرأة بأنها عورة وعار.”

وأشارت “مرشد”، إلى أن “بيئاتٍ نظنها أكثر انفتاحاً وحرية كانت تتعامل مع نساء يعانين الأمرين، ولا تسمح لهن كنيستهن بالانفصال، وكأن قرار الزواج أصبح سجناً أبدياً مع الشغل والنفاذ وغير قابل للطعن.”

وشددت أنه “ما كانت تعانيه المرأة في مجتمعنا فقط لأنها أنثى، ومحكومة بظلم المجتمع والأعراف والقانون المجحف بحقها، لتأتي في ذلك الوقت أكثر من جريمة قتل بحق نساء في الجنوب السوري والشمال.”

وبينت أنه من “وحي كل ما شاهدته وتأثرت به كانت قصة سجن، قصة الجنين الأنثى التي قررت أن تنتحر قبل أن تولد، لتصيح امرأة في هذا الشرق الموبوء بظلمها لمجرد كونها امرأة.”

وعن العمق في الشخصيات، قالت “مرشد”، أنني “عندما أهم بالكتابة، لا أقرر أن تكون الشخصية التي أتحدث عنها عميقة أو سطحية، فيلسوفة أو واقعية.”

وأضافت أنني “أكتب فكرتي كما أحسها فيخرج عمق الشخصية من عمق الفكرة، وصدق المشاعر فيها، وصدق ملامستها للواقع ومحاكاتها له.”

وعن آثار الحرب، قالت “مرشد”، أن “الحرب السورية تركت داخلي ندوباً لا تُمحى، لجروح لن تندمل ما حييت، قد لا أكون خسرت عزيزاً أو فقدت أخاً أو صديقاً فيها، لكن عشت تفاصيل ألم ومعاناة السوريين بلحظاتها.”

وأضافت أن صور” أطفالنا في مخيمات النزوح تبكيني، وتحزنني كل دمعة أراها في عين عجوز مقهور أشعر بحجم الانكسار والذل الذي عانى منه كل سوري سواء بقي في الداخل أو غادر.”

وكيف لا “تريد لقصصي أن تكون غارقة بالحرب السورية، وأنا التي أعيشها من هنا من منفاي وكأنني هناك تحت الأنقاض أتنفس غبار البارود ويغطي شعر رماد الحرائق”. حسب السيدة مرشد.

وعن معالجة الشخصية، قالت “مرشد”، أن هذه “الصفة المهمة فيما اكتبه، أنا ببساطة شخص لا أُعجب فيما أكتب بعد إنجازه، دائماً أشعر بالتقصير، وبأن النص يمكن أن يكون أفضل فأقوم بحذفه نهائياً.”

إعداد: بسام سفر – تحرير: محمد القاضي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى