الرئيسيتحقيقات

“الشبيحة”.. سياط وبيادق آل الأسد

دمشق – نورث برس

شَبَحَ الشيءُ شَبَحَ َ شَبْحاً: بدَا غَيرَ جَلِيٍّ. وشَبَحَ الجِلْدَ ونحوه: مَدَّه بين أَوْتادٍ. ويقال: شَبَحَ الشخصَ: مَدَّهُ ليجلِدَه، أَو مَدَّهُ كالمَصْلُوب. وشَبَحَ العودَ: سَوَّاه وعَرَّضه.

ولكن ربطَ البعض كلمة “شبيح” بطراز لسيارة مرسيدس معروفة في سوريا باسم الشبح، وكان يستخدمها “الشبيحة”.

ومع ذلك، يمكن أن يحمل جذر “شبحَ” بالعربية أيضاً معاني أخرى، بما في ذلك “أن تكون قوياً” أو “أن تمزِّق”.

واستُخدِم هذا الجذر في اللغة العربية التي يتحدث بها العَلويون في المنطقة الساحلية، لنقل أو لوصف “عمل مذهل سريع”، مثل عندما يغوص الشباب في الماء أو عندما يقفز حراس مرمى كرة القدم في الهواء لالتقاط الكرة.

ويمكن أن تعني كلمة “شبّيح” شخصاً قوياً أو جريئاً. وبهذا المعنى، فقد أطلِق هذا المصطلح ومنذ فترة طويلة على المهرِّبين الذين يعملون على الحدود السورية اللبنانية، وكان من الطبيعي في هذا السِّياق أن يرتبط مع عائلة الأسد.

عندما أصبح حافظ الأسد رئيساً لسوريا بعد انقلابات داخلية متتالية في 1966 و1970، بدأ أقاربه من القرداحة في محافظة اللاذقية بالسيطرة على الحياة الاقتصادية في الساحل، بما في ذلك أعمال التهريب المزدهرة.

ويقول سكان في المنطقة إن أول شخص من عائلة الأسد تورَّط بجدّية في التهريب كان مالك الأسد، نجل إبراهيم الأخ غير الشقيق لحافظ الأسد.

وأثار مالك الأسد بعد الاستفادة من الروابط العائلية لإقامة عمل غير قانوني مربح في النصف الأخير من السبعينيات. في وقت لاحق غضب منه الرئيس، واتهم ببيع الأسلحة للمتمرِّدين الإسلاميين وأُنهِيَتْ عمليات التهريب الخاصّة به.

ولاحقاً اكتسب شقيقا الرئيس، جميل ورفعت، نفوذاً تدريجياً على التهريب والأعمال التشبيحية في اللاذقية.

وكان أبناء جميل الأسد، منذر و (الأهم) فواز، متورِّطين في قضايا التهريب بأشكاله وبضائعه المتعددة.

ومع مرور الوقت جاء مصطلح الشبيحة لتطبيقه على حاشية فواز الأسد والمجموعات المماثلة.

وتتألف هذه المجموعات في الغالب من العَلويين، ويقودهم عادة أحد أفراد الأسرة الحاكمة.

ووريداً رويداً أصبحت هذه الجماعات تتمتع بسمعة سيئة للغاية بسبب سلوكها العنيف وتورُّطها في الابتزاز والجريمة المنظّمة.

مع اندلاع الحرب السورية في أعقاب احتجاجات آذار/مارس 2011 تحوّل دور “الشبيحة” من العمل في المحظورات من سلاح ومخدرات وبضائع مهرّبة إلى رديف حقيقي لجيش النظام السوري.

وأخذوا على عاتقهم التصدي مع رجال الأمن للمتظاهرين في البدايات ومن ثم للمجموعات والمنظمات والفصائل المسلحة في المرحلة المتقدّمة من الحرب.

في آذار/مارس 2011، كان المحتجون المناهضون للحكومة يبلغون عن هجمات من قبل ما تعرف بالشبيحة، وكانت حينها تسمية غامضة استخدَمت لوصف مجموعة واسعة من الميليشيات التابعة للنظام.

خلال الموجات الأوَّلية من الاحتجاجات الشعبية، شجعت الدولة على تشكيل عصابات محلّية، غالباً ما تتكوَّن من العَلويين أو أقليات أخرى تكون لديها شعور بالتهديد من الانتفاضة التي بدت هيمنة السنة عليها في مراحل لاحقة.

وفي أوائل عام 2011، لم يكن النظام يمر بمواجهة حقيقية مع المحتجين فحسب، بل كان يتعرّض لمعركة إعلامية أيضاً، حيث كافح مؤيِّدو الأسد ومعارضيه لتحديد الصراع بشروطهم والتأثير على التغطية الإعلامية الإقليمية والدولية.

ودرج مؤيِّدو الحكومة ووسائل الإعلام التي يسيطر عليها النظام إلى توصيف المتظاهرين بالمندسّين أو الإرهابيين أو بالعصابات المسلّحة.

كما ردَّت المعارضة بالسخرية من مؤيِّدي الأسد على أنهم “منحبكجيّة”، في إشارة إلى “عبادة الشخصية” التي يروّجها الأشخاص المحيطين بالرئيس.

وظهر مصطلح الشبيحة في هذا السياق لأول مرّة في خطاب المعارضة، مشيراً إلى مجموعات من أنصار النظام الذين هاجموا المتظاهرين المدنيين، باستخدام السكاكين والأسلحة النارية، بقيادة مسؤولي المخابرات وهم يرتدون زياً مدنياً.

يتذكَّر ربيع بوضوح مجموعات الشبيحة في دمشق عام 2011، وهو اسم مستعار لناشط شارك في العديد من الاحتجاجات المبكرة لكنه اضطر منذ ذلك الحين للفرار من البلاد.

وقال في مقابلة مع نورث برس: “استخدمت الحكومة ملعب العباسيين، وهو ملعب كبير لكرة القدم في قلب دمشق، كمركز “للشبيحة”. 

وتمركز نحو ألف جندي هناك ثم أوقفوا الكثير من حافلات النقل العام ومنحوها للشبيحة.

يقول ربيع: “اعتدتُ أن أراهم يقودون طوال اليوم تلك الحافلات، متجهين إلى المناطق التي كانت تخرج فيها الاحتجاجات. عندما تبدأ المظاهرة، لا يستغرق الأمر عشر دقائق حتى يتصل مخبر ما بالأمن أو بالشرطة، ثم سيأتون.”

لم يكن مصطلح الشبيحة شائع الاستخدام عندما بدأت الاحتجاجات. حتى أواخر آذار/مارس 2011، وطُبِّقَ المصطلح فقط على “العصابات الإجرامية” في الساحل السوري.

لكن ذلك تغيَّر بعد أن عمت المظاهرات المناهضة للحكومة في المجتمعات السُنّية في اللاذقية وبانياس. ما أسفرت عن اعتماد الحكومة أسلوب القمع، وقتلت العديد من النشطاء.

في يومي السادس والعشرين والسابع والعشرين من آذار/مارس 2011. صورَّت مصادر محلّية مرتكبيّ عمليات القتل هذه بأنها مزيج من الأفراد النظاميين والشبيحة، وهو مصطلح كان يمكن فهمه بسهولة في منطقة اللاذقية ولكن ليس بالضرورة في أي مكان آخر.

ويقول ناشطون عاشوا تلك المرحلة أن قوَّات الأمن كانت تستخدم “عصابات إجرامية تسمّى الشبيحة” لقمع المظاهرات.

وجاءت التوقعات حينها أن يصل عدد الشبيحة إلى 5000 و 10000 شخص في سوريا، ممّا يشير إلى أنهم جاءوا من بلدات ذات أغلبية عَلوية مثل جبلة والقرداحة وطرطوس واللاذقية.

وانتشر مصطلح الشبيحة بسرعة بين النشطاء والمراسلين الدوليين مع تدافع سوريين ومراقبين دوليين لشرح تقارير عن تعاطُف أشخاص مدنيين مع الرئيس الأسد يهاجمون المتظاهرين المناهِضين للحكومة.

وجاء أول ظهور لكلمة الشبيحة في كبرى الصحف الأميركية والأوروبية بعد تقرير لقناة العربية السعودية في 28 آذار/مارس 2011.

وفي مناطق أخرى كدمشق وطرطوس ذكر ناشطون أن “أعضاء عصابة الشبيحة سيئة السمعة، المرتبطين بأفراد عائلة الأسد، انتشروا في شوارع طرطوس وفي إحدى ضواحي دمشق”، واصفين الشبيحة بأنهم “رجال عصابات، مسلحين بالعصيّ وبنادق الصيد.”

ويرى البعض أنها “ميليشيا بعثية مرتبطة بماهر الأسد”، شقيق الرئيس بشار.

وتمَّ تمرير هذه التقارير بسرعة إلى وسائل الإعلام العربية. وسرعان ما استخدمت المعارضة بشكل عام كلمة (الشبيحة)بين النشطاء السوريين عبر الإنترنت وفي وسائل الإعلام الدولية.

عند هذه النقطة، فُهِمَتْ الكلمة على أنها تعني “مؤيِّد الأسد” بشكل عام و “عضو ميليشيا مؤيِّدة للأسد” على وجه الخصوص، واستخدِمت في جميع مناطق سوريا، بعيداً عن المنطقة الساحلية حيث كانت تعمل الشبيحة “الحقيقية”.

وفي حزيران/يونيو 2011 خرجت تقارير حول الجماعات المسلحة في حمص، اعتبرها ناشطون مثالاً نموذجياً حول كيفية التعامُل مع ظاهرة الميليشيات في وسائل الإعلام الدولية: “تُظهِر لقطات فيديو الهواة من مدن مختلفة سفاحين يرتدون ملابس مدنية، تُعرَف باسم الشبيحة، يرتكبون الفظائع. الكثير منهم أعضاء في عشيرة الأسد أو المهرّبين من المنطقة الساحلية. يُعتقد أن قادة هؤلاء الشبيحة هم منذر وفواز الأسد، أولاد عم الرئيس بشار الأسد.”

استُخدِمَ مصطلح الشبيحة في سياق احتجاجات 2011، في البداية فقط لوصف المدنيين العنيفين المؤيدين للأسد، لكن معناه توسّع تدريجياً، ممّا أضعف ارتباطه بالعنف الجسدي.

وسرعان ما بدأ استخدام الكلمة بمعنى مجازي يعبر عن أنصار النظام غير المسلَّحين، مثل مخبريّ الشرطة والصحفيين والسياسيين والشخصيات الدينية، لتصويرهم على أنهم مشابهون للشبيحة المسلحين.

وعلى سبيل المثال، استخَّف رئيس تحرير صحيفة الشرق الأوسط بالكُتاب المؤيدين للأسد ووصَفهُم بـ “ميديا ​​شبيحة”، على عكس “شبيحة الأمن”.

بالإضافة إلى ذلك، بدأ بعض النشطاء والمعلقين في استخدام الكلمة في إشارة إلى أيّ شخص يعمل في الحكومة، دون السعي إلى إيجاد تشابه مع الجماعات المسلحة.

في الواقع، يتوافق استخدام المعارَضة لمفردة الشبيحة بشكل وثيق مع الطريقة التي سيستخدم بها مؤيِّدو الحكومة مصطلحاً مثل “الإرهابيين” لوصف جميع المتمرِّدين المسلَّحين وأحياناً المدنيين الذين يدعمونهم.

في حين أنه يمكن بالطبع تفسير التعريفات الدقيقة لكل من الشبيحة و “الإرهابيين”، إلا أن هذه الكلمات لا يُقصد استخدامها في المقام الأول بالمعنى الوصفي، بل بالأحرى إهانة ونزع شرعية الخصم وتشويه سمعته.

أعاد مؤيِّدو النظام المتشدِّدون رداً على ذلك، تخصيص المصطلح لأنفسهم من أجل إثارة المعارَضة وتحدّيها.

على سبيل المثال، قد يُعلِن المتظاهرون الموالون للحكومة أنهم “فخورون بالشبيحة” بمعنى أنهم على استعداد للقتال والموت من أجل النظام.

وعندما تحدَّث بشار الأسد في تجمُّع حاشد نظّمته الحكومة في ساحة الأمويين بدمشق في كانون الثاني/يناير 2012، استقبله الحشد بهتاف شعبي موال للنظام: “شبيحة للأبد لأجل عيونك يا أسد.”

كما تُستخدَم الكلمة الآن على نطاق واسع كإهانة في الخلافات الداخلية للمعارَضة، لاتهام الخصوم بالسيطرة أو العنف بطريقة تذكرنا بالميليشيات الموالية للأسد.

فعندما حاول تحالف المتمرِّدين المعروف باسم الجيش السوري الحر انتخاب رئيس أركان جديد في ربيع عام 2014، نشب شجار بين المعسكرات المتنافسة.

وألقى رئيس الأركان المخلوع، اللواء سليم إدريس، باللوم على منافسيه في بدء القتال ووصف أفعالهم بالتشبيح، أو “سلوك الشبيحة”.

ومع ذلك، فإن مصطلح الشبيحة بسبب ارتباطه التاريخي بالمجتمع العَلوي وطبيعة الصراع في سوريا، محمّل بالمعاني الطائفية. سيحرص العديد من أعضاء المعارَضة على الإشارة إلى أن “الشبيح” يمكن أن يأتي من أيّ طائفة.

في حين يستخدم آخرون بشكل عرَضي الكلمة كمرادف للنظام العَلوي، فقد يُشار إلى القرى العَلوية باسم “قرى الشبيحة” وتستخدِم بعض الفصائل المسلحة عبارات مثل دك معقل الشبيحة، أو “تسوية معاقل الشبيحة”، كناية عن إطلاق الصواريخ على البلدات العَلوية.

بدأ السوريون الموالون للحكومة في الأسابيع الأولى من الاحتجاجات، التطوّع للخدمة فيما عرفت باللّجان الشعبية، وصُوِّرَتْ هذه اللجان في البداية كنوع من منظمات لمراقبة الأحياء.

وكانت هذه الجماعات واضحة للغاية في جميع أنحاء البلاد، حتى أن الأسد ذكرها في خطاب ألقاه في جامعة دمشق في حزيران/يونيو 2011.

وأشار في خطابه إلى أعضاء اللجنان الشعبية ووصفهم بـ”الشباب الذين واجهوا المخاطر”

ومع ذلك لم يلاحظهم المجتمع الدولي ووسائل الإعلام باستثناء تقارير مشوشة حول “ميليشيا الشبيحة.”

وبدأ النظّام في عام 2012، بإعادة تنظيم العديد من اللِّجان الشعبية والميليشيات الأخرى التي ظهرت خلال الحرب.

وأدَّى ذلك إلى إنشاء قوّات الدفاع الوطني، وهي مظلة شاملة لـ “المواطنين المحلّيين الذين يقاتلون إلى جانب الجيش للدفاع عن مجتمعاتهم ومناطقهم”، على حدّ تعبير الرئيس الأسد في منتصف عام 2013.

ومع مرور الوقت، برزَت قوَّات الدفاع الوطني كجزءٍ هامٍ للغاية من الجهاز العسكري للحكومة، حيث تولّت أدوار الخطوط الأمامية وأحياناً تستخدم في معاركها الأسلحة الثقيلة والدبابات والمدافع.

وحقق “الشبيحة” نجاحاً اقتصادياً هائلاً من خلال التجارة بالمخدرات والسلاح والتجارة بين مناطق النظام ومناطق سيطرة المسلحين.

بالإضافة إلى ذلك امتهنت هذه المجموعات عملية “التعفيش” المنظمة جنباً إلى جنب مع الأعمال الممنوعة الأخرى كالخطف وطلب الفدية.

وقد عرضت وسائل الإعلام مشاهد لا ينساها السكان السوريون لتعفيش مناطق واسعة في حلب وريف إدلب وحمص ودرعا ودمشق، وكان “للشبيحة” حصّة الأسد من تلك المسروقات.

إعداد: الحارث حسن – تحرير: حمزة همكي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى