آراء وتحليلاتالرئيسيحسين جمو

الدولة الأمّة والدولة الاحتيالية

في الفصل الخامس من كتابه “بعيداً عن اليمين واليسار.. مستقبل السياسات الراديكالية”، يفكك عالم الاجتماع البريطاني، أنتوني جيدنز، تناقضات دولة الرفاه، من دون أن يبدأ من أطروحة جون ماينارد كينز، عن دولة الرفاه، حين أصبحت وصفة نجاة للنظام الاقتصادي الأميركي، في أزمة 1929.

فالتحول في ماهية الدولة، من كيانات إقطاعية اتحادية مع الأرستقراطية الملكية إلى فكرة الاندماج القومي وتطوير الثروة القومية، جعلت السلطة تهتم بشكل غير مسبوق، بمعالجة مشكلة الفقر، طالما أن القومية تعني، في أحد أوجهها النظرية، المساواة في قيمة المواطنين مقابل الأشكال الطبقية السابقة للمجتمع الرعيّة.

وباعتبار أن فكرة جيدنز في كتابه لا تدور تماماً حول السياسات الاجتماعية للدولة القومية، فإن تشريح الفقر في السياسات القومية لم يأتِ إلا كتداخل مع أنماط السياسات الاجتماعية. يحرص جيدنز على النأي بفكرته عن الفرضيات القاصرة حول مزاعم التواطؤ الخفي بين دولة الرفاه والنظام الرأسمالي حين يكون في طور الأزمة، كما لا ينسبها لنضال الطبقات العمالية.

ورغم أن فكرة تدخل الدولة في الاقتصاد والعدالة الاجتماعية تُشكّل جوهر الاشتراكية الإصلاحية، فإنه لا يغفل أن العناصر الأساسية لدولة الرفاه كانت قائمة في غالبية بلدان الغرب قبل الحرب العالمية الثانية، وقتما كانت السلطة في أغلب بلدان أوروبا، في أيدي اليمين المتطرف.

يحدد جيدنز، ثلاثة موارد هيكلية لدولة الرفاه. الأول والثالث هما على التوالي الأمن الاجتماعي لأولئك الذين يعجزون عن دخول سوق العمل، وإدارة المخاطر الخاصة بالتلاؤم مع مستقبل مفتوح، أما الثاني، فإن دولة الرفاه ظلت دائما دولة قومية، حيث كانت من بين العوامل الدافعة بالضرورة إلى تطوير منظومات الرفاه الرغبة من جانب السلطات الحاكمة في تعزيز التضامن الاجتماعي. وهكذا أنشئت منظمات الرفاه منذ البداية وحتى اليوم باعتبارها جزءاً من عملية أوسع نطاقاً ضمن بناء الدولة، ولهذا فإنه بحسب تعبير جيدنز: من يقول دولة الرفاه فإنه يعني الدولة – الأمة (ص 174).

غير أنّ الدولة الأمّة، بعد الحرب العالمية الثانية، باتت ذات طابع غير قومي، بالمعنى التاريخي، في عموم أوروبا، فدولة الرفاه أضفت بُعداً جديداً شاملاً على التأمين الاجتماعي، وباتت على صعيد تعريف المواطن دولة مدنية إلى حد كبير.

ولأن السكان قد خرجوا للتو من حرب ثقيلة وكابوسية، كان تحويل الدولة إلى رفاهٍ شاملٍ، تهتم بحياة أفقر الفقراء بحيث لا يموت أحد من الجوع أو المرض، بات مصلحة مشتركة لكافة الطبقات، أو بتعبير جيدنز، باتت دولة الرفاه، حين شارك العمّال في إدارة دفّتها، رمزاً لـ”تسوية طبقية” بدت في ظاهرها وكأنها حسمت المشكلة الاجتماعية المزمنة. (ص 176).

الواقع أن الطروحات النظرية حول الدولة الأمة خارج أوروبا، وتحديداً في التعبيرات السياسية الخارجة للتو مما يسميه إريك هوبزباوم “عصر الامبراطوريات”، استغلّت الرؤى الأولية في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، حين كانت فكرة بناء الأمة ذات نزعة تغلّبية، لغويّة أحادية، تعتمد على مصادرة التعددية، وجذور هذه المصادرة نجدها لدى جميع من حاولوا سبر أغوار “الدولة الأمة”.

ويستند التصور الألماني لدى يوهان هيردر، على “تصور عضوي للأمة يرى أنه من الواجب أن تتأسّس الأمة من مجموعة بشرية تتقاسم ثقافة واحدة قائمة على اللسان المشترك، أكثر مما هي قائمة على الدين أو العرق”. وجرى تطوير هذه النظرية لمزيد من التطرف في الجذر اللغوي الإثني للأمة.

على أنّ واحدة من مصادر الانحرافات الفكرية، المؤسِّسة للجريمة الجماعية، هو البحث عن تعريفات الأمة ودرجة تماهيها مع الدولة في تصورات المفكرين، واعتبار أن أحد هؤلاء لا بد أن يكون على حق، وبالتالي لا بدّ في النهاية من تبنّي نظريّة! فمثلاً من يرفض التصور العضوي الإثني اللغوي لدى يوهان هيردر ضمن ما يعرف بـ”التصور الألماني”، تراه يسارع إلى صفحات إرنست رينان والبحث عن مقولات أكثر انفتاحاً في مؤلف “ما هي الأمة؟”.

لكن، لدى رينان نفسه تصورات توحيدية في اللغة، وكذلك ترتيب في مستويات ذكاء الأعراق والأمم، وتحيز استعلائي للامبراطورية الرومانية في التاريخ، رغم أنها في النهاية هي أيضاً دولة قائمة على العبودية رغم مجلس شيوخها الذي لا يعني سوى التشاركية في ضمان استمرارية مؤسسة العبودية وغزو الأمم الأخرى وتحطيمها.

رينان مثلاً في تفضيله النموذج الروماني مقارنة بالدول الشرقية الموازية، لم ينتقد عنجهية الفكرة الرومانية رغم أنها لم تكن فكرة عرقية بالنظر إلى خصائص الجغرافيا. وعليه، فإن فرنسا استعانت في النهاية بنموذج تدخّل الدولة في تشكيل الأمة عبر احتكار كل من القانون والعنف.

ففي العام 1860 كانت اللغة الفرنسية أجنبية لدى نصف الأطفال الفرنسيين، وهي نسبة أثارت قلق دعاة الدولة الأمة الفرنسية الذين سرعان ما شرعوا في توحيد التعليم وحظر اللغات المحلية غير الفرنسية (ينظر: كاثرين شكدام – بناء الأمة وسياسة بناء الدولة -المثال الفرنسي ومحدداته – مركز البيان للدراسات).

هذا أيضاً يعيدنا إلى السؤال الأساسي، وهو أدوات تحقيق الانسجام بين عناصر الأمة. يمكن ذلك عبر الإبادة الجماعية أيضاً، وهو نموذج شاع في الربع الأول من القرن العشرين، وتعد تركيا نموذجاً في تحقيق الانسجام بالطريقة التي باتت معروفة.

إن البحث بين أوراق المفكرين عن ماهية بناء الدولة الأمة (بنسختها العالمثالثية – أي الدولة القومية)، من حيث التبشير بها، بمثابة تنازل مؤقت عن العقل، لأنه يتجاهل المبدأ الأساسي فيما إذا كانت هذه الصيغة أو تلك هي الأكثر حفاظاً على حياة البشر أم الأكثر دعوة لقتل قسم منهم، سواء جسدياً أو ثقافياً، لتحقيق الانسجام.

تطورت الدولة الأمة نحو المزيد من التحرر من الأصل والتاريخ، لصالح الخبرة المشتركة في الحاضر في معظم الدول الأوروبية والولايات المتحدة، رغم أن اتجاهات الأصل المشترك التاريخي ما زال من محركات اليمين المتطرف، فيما باتت المواطنة وسياسات الهوية جوهر اليسار الأوروبي، وكلاهما لا يخلوان من معضلات كبيرة.

يمكن أن نجد في تركيا نموذجين متعايشين، جنباً إلى جنب. فتركيا هي دولة قومية ودولة أمة في آن واحد. دولة عنصرية ودولة منفتحة في وقت واحد. أمة ذات ماضٍ غني عمرانياً (لأنه لا سبيل لإنكاره) وحاضر مذعور من بقاء القومية الكردية على قيد الحياة حتى الآن بعد أن أبادت الأرمنية بشكل نهائي.

الدولة القومية هي دولة لها لغة واحدة هي التركية، واللغات الأخرى ليست مهملة، لا، إنما معلقة على مشنقة طالت 60 عاماً، فحتى منتصف التسعينيات كان ممنوعاً على الكردي فيها التحدث في الشارع مع زوجته وأطفاله بلغته الأم، وإلى اليوم لا توجد روضة أطفال في كل تركيا تقبل التعامل مع الأطفال باللغة الكردية. لقد صادرت الدولة التركية اللغة الكردية من الحياة اليومية، طيلة 60 عاماً بشكل كلي، وما زالت تصادرها بشكل جزئي لكن قاتل، وفرضت الرقابة على المتحدثين في الأسواق والمدارس والمقاهي، وجردتهم من وظائفهم، وضيّقت عليهم أسباب العيش، وكان لهذه السياسات أثر تحطيمي مديد في المجتمع، وفصل ثقافي بين ثلاثية الطبيعة البشرية الأرض والسكان والذاكرة.

بهذا المظهر القومي الأحادي، العنصري، الدولة التركية هي دولة قومية تستند إلى الأصل العرقي المتخيل الخرافي، واتبعت أسلوبين للتخلص من التعددية، الأول الإبادة المباشرة الجسدية، كما الأسلوب الأرمني، ولاحقاً مجموعات كاملة من الكرد، في مناطق ما زالت تعيش فراغاً سكانياً نسبياً إلى اليوم. والثاني عبر الإبادة الثقافية مستخدمة لتحقيق هذا الهدف كل قوة الدولة وعنفها وقوانينها المصاغة لاستدامة عدم المساواة والتمييز السلبي.

النموذج التركي هنا هو نفسه نموذج الدولة القومية العربية في سوريا والعراق والسودان، لكن بابتكار أقل لدى هذه الدول وغيرها، مع جرعة علنية زائدة من العنف الأعمى، وفوضوية في العنصرية.

غير أن الدولة التركية هي في الوقت عينه دولة رفاه، من حيث أنها دولة أمّة. فالتأمين الصحي مجاني لكل مواطني تركيا، ويحق للجميع التمتع بحق الانتخاب والترشح، والاقتراض من البنوك، والتمتع بمزايا التقسيط في شراء الحاجيات اليومية، بدعم من الدولة.

غير أن التفاصيل الدقيقة وتشريح هذه العملية تكشف صورة غير تلك الساذجة المعتمدة على العين المجردة في رؤية دولة الرفاه وهي تعامل مواطنيها بمساواة في بعض الجوانب. فالمجتمعات المحلية في تركيا، الكردية والعربية، مراقبة من قبل جهاز إداري عملاق، يبدأ بعنصر الاستخبارات الرسمي ولا ينتهي بالوكلاء المدنيين في أكشاك البيع أو كثير من أئمة الجوامع وأصحاب الدكاكين، فضلاً عن سجل نشاط الأحزاب، ومن خلال هذا الجرد الأمني يتم تقديم مزايا لمناطق دون أخرى، وعائلات دون غيرها، ورفض طلبات اقتراض لأفراد دون غيرهم. المعيار الأساسي هو درجة تخليه عن كرديته، عن أمة بلا دولة، صمدت على مشنقة الجمهورية منذ عام 1925 وما زالت تتمتع بالحيوية في جزئها الناجي من الهندسة القومية العمياء.

في العقود الأخيرة، شكلت منظومة الرفاه الأوروبية الغربية، بالأخص منها التعويضية المالية، في البطالة أو التأمين الصحي أو التقاعد، عاملاً لكسر التجانس القومي في المجتمعات الأوروبية، لصالح التعددية، فمن يعود بأصله إلى نبلاء القرون الوسطى لا يتميز بشيء عن مهاجر جاء من تشاد وما زال لا يتقن الفرنسية بشكل كامل. أمّا في الدولة القومية الشرق متوسطية، فإن منظومة الرفاه أداة لتحقيق الانسجام بالضد من التعددية والانفتاح في الداخل، أداة للاستمرار في إلغاء شعوب محلية كانت ضحية مقايضات استعمارية قبل 100 عام.

ينطبق الأمر نفسه على الكيان السوري الحديث، الذي اكتمل تأسيسه في أربعينيات القرن الماضي، غير أن هذا الكيان (حين كان قائماً قبل 2011) ذو عناصر فقيرة وفيها مكون أكاديمي متخلف للغاية تاريخياً، ومكشوف، وغير قابل للتشريح والتفكيك، لسذاجته وطروحاته المدرسية، مقارنة مع الجهاز الأيديولوجي الفكري العميق في تركيا.

ترك هذا التراث الفكري ذو المنشأ الغربي، في انعكاسه الشرقي، أساطير معيقة لاتساع الدولة – وليس التوسع – ومنها مثلاً أنه حتى هواة التنظير الفكري باتت لديهم قائمة بمعايير تشكل الأمة، مستقوين بالكيان المسخ الموجود، بصيغة الدولة القومية، ضد شعوب بقيت خارج هوية الدولة ومسجونة داخل هذه الدولة نفسها. إن اشتراط الدولة لتحقيق “شخصية الأمة” تصور قديم يعود للقرن التاسع عشر، وكان سبباً في تفجير الحرب العالمية الثانية، واختفاء شعوب من مسرح التاريخ. الواقع أن أخطر جوانب الدولة الأمة الشرقية، التي هي نفسها الدولة القومية في نظر الدول “الاحتيالية”، هو أن الإبادة تكون مشروعة إذا كان الانسجام بين عناصر الأمة مفقوداً أو أن عناصر منها تقاوم “أحادية الدولة”.

بات التمييز متاحاً بين الدولة الأمة والدولة القومية – رغم الخلط الكبير فيما بينهما. ومرد الخلط أساساً أنّ المعادل الإنكليزي لغوياً لكل من الأمة والقومية واحد “Nation State”، لكن دلالتها العربية تختلف من حيث المظاهر الانعكاسية في الواقع. فالدولة القومية القائمة في عموم دول شرق المتوسط تقابلها في الإنجليزية “National State”، وهي دولة أيديولوجية ذات خاصية هيمنة فئوية على التعددية، ومصادرتها كلياً. نجد هذا النموذج، على سبيل المثال لا الحصر، بشكل فاقع في تركيا وجورجيا وأذربيجان وسوريا.

 إنه لأمر مناف للواقع الانفتاحي، أن يتم اعتماد صفة “الدولة الأمة” للجمهورية التركية، التي هي دولة قومية من طراز قمعي للغاية، وقلّ مثيلها في النزعة الأحادية الشاملة، والكارهة لأي تعددية. الدولة القومية التركية لا تصلح أن تتجاوز شرق منطقة الفرات العليا الفاصل بين الأناضول وكردستان. تركيا ستصبح دولة أمة حين لا تكون فيها مشكلة إلغاء قوميات، وهذه لا تشمل فقط الكردية، بل العربية واللاظية والرومية أيضاً. فهي بهذا المعنى دولة قومية، وليست دولة أمّة، حتى لو أن التعريفات الأولى للدولة الحديثة، خلال وبعد الثورة الفرنسية، قد خلطت بين الاثنين، باعتبار أن المعضلة التي نسفتها الثورة الفرنسية كانت المشكلة الطبقية أكثر مما هي إدارة التعدد القومي والثقافي.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى