تحقيقات

“مبروك إجاك ضابط”.. كيف تحوّلت اللاذقية إلى حديقة خلفية “للنظام”؟

اللاذقية – نورث برس

هي حقاً كما تسمّى “عروس الساحل السوري”. ولكنها، وعبر عقود من التخريب المنظّم، تحوّلت قرباناً قُدم على مذبح حافظ الأسد “زعيم” آخر الانقلابات العسكرية في البلاد، والذي أمسك بخيوط الخارطة السورية، وخبر مكامن ضعفها وقوتها.

على هذا الأساس رتب البيت الداخلي فبدأ مسلسل تصفيات معارضي انقلابه في حزب البعث نفسه ثم في الجيش. ليقوم بتسوية غير معلنة مع تجار حلب ودمشق الكبار، كان من نتيجتها انتهاجه سياسة خاصة اتبعها على مدى عقود تجاه محافظة اللاذقية.

وجرى ذلك بالرغم من أن المحافظة هي معقله وحصنه المنيع، فحوّلها مزرعة وحديقة يعيث أفراد عائلته فساداً لعقود أيضاً. ومورس عليها سياسات مختلفة عن السياسة القمعية العامة الممارسة في سائر محافظات البلاد.

الوجه اﻵخر للاذقية بعيداً عن الوجه الذي يقدمه الإعلام الرسمي، هو الوجه الأكثر غرقاً في الفقر، فقد بقيت الرافد الذي يغّذي الجيش واﻷجهزة اﻷمنية بتوجيه من العائلة الحاكمة، عبر سياسة انتهجت إهمال السياحة والزراعة، والصناعة، إلى جانب سوء الخدمات.

وبالإضافة إلى ذلك تم خلق فوضى في قطاع التجارة، عدا عن هيمنة ميليشيات/ مافيات مرتبطة بالعائلة الحاكمة عمدت إلى نشر الرعب بحيث لم يبق للسكان ملاذ أو مورد عيش سوى الالتحاق بالقوى الأمنية والجيش، حتى درج في بعض المناطق مثل: “مبروك إجاك ضابط” لدى قدوم مولود ذكر.

تاريخ أسود “للشبيحة”

منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، عانى سكان القرى الواقعة على تخوم طريق اللاذقية حلب (القديم) الكثير، ومعاناتهم تجلت في أن عليهم توقع وحساب أن تعبر قافلة من السيارات السوداء “المفيمة” في أية لحظة.

وظهرت هذه الحالة للعلن تزامناً مع فقدان المواد من الأسواق السورية في عهد الأسد الأب بعيد دخول الجيش السوري للبنان، واتساع حركة التهريب من لبنان إلى سوريا وعبرها إلى تركيا، وفق ما قاله جمال عياش وهو اسم مستعار لرجل في العقد السادس من العمر، من قرية وطى الخان.

وقال “عياش”: “منذ ذلك الوقت وشبكات التهريب تبث الرعب على طول الطريق الرابط ما بين اللاذقية وحلب، وفي وضح النهار، وتخلو الطريق من أي دوريات طرق أو جمارك، وكأن هناك تنسيق بينهما.”

وأضاف: “انتشر في ذلك الوقت بأن مجموعة من الأفراد المنضوية تحت خدمة بعض رؤوس عائلة الأسد، والتي كثفت نشاطها بالتهريب من لبنان للداخل السوري، قد وسعت نشاطها ليشمل تهريب المخدرات وغيرها من الأنشطة المحظورة، إلى تركيا.”

لكن الأمر لم يتوقف هنا، فصدى وصورة سيارات الشبح امتدا إلى إدلب وحلب، إلى جانب سطوة آل الأسد، وبالأخص فواز جميل الأسد “عراب الشبيحة”، الذي لم يسلم من تشبيح عناصره حي في اللاذقية، طبقاً لـ”عياش”.

تدمير قطاع الزراعة

يرى عمر ساعي وهو اسم مستعار لمهندس زراعي متقاعد، من مشروع الصليبة، أن اللاذقية “فقدت هويتها” الزراعية كما السياحية، والخدمية، والصناعية التي كانت اكتسبتها من خلال موقعها الجغرافي المتميز بمناخ ساحلي معتدل وأرض خصبة، عبر “سياسات النظام في إهمال هذه الجوانب الحيوية.”

وقال في مقابلة حصرية لنورث برس إن “الأراضي الصالحة للزراعة والمستثمرة بقيت محدودة وصغيرة، وغير كافية لتلبية متطلبات حياة المزارعين، وغير مجدية اقتصادياً.”

وأضاف: “الاعتماد الرئيسي كان على الحمضيات والزيتون وبعض الزراعات المحمية.”

لكن إغراق السوق بمنتجات الحمضيات، وعدم دعم الحكومات التي تعاقبت على إدارة البلاد، أدى بالمزارعين إلى اقتلاع أشجار الحمضيات، بعدما أصبحت كلفة جَنْي المحصول وتسويقه فقط، أكبر من مردوده، وهو ما أعاد المزارعين لنقطة الصفر، أو الدوران في حلقة مفرغة.

ويرى محمد معروف (60 عاماً) وهو اسم مستعار لمزارع ومهندس زراعي من ريف جبلة، أن حياة المزارع “أصبحت يرثى لها.”

وقال “معروف”: “يحتاج المزارع لحالة إسعافية حتى لا يتخلى عن آخر قطعة أرض صالحة للزراعة، بحثاً عن بدائل أخرى، وهو ما لجأ إليه الكثير من المزارعين في فترات سابقة.”

وقال أيضاً: “جميع أولادي تركوني بحثاً عن وظائف، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، لأن الأرض لا تستطيع إعالة أسرة واحدة مكونة من ثلاثة أشخاص، فما بالك بعائلة تضم الأبناء وزوجاتهم والأحفاد.”

ولقطاع الحمضيات في اللاذقية “قصة حزينة”، ففي السنوات الماضية كان المزارعون يضطرون للتخلص من محاصيلهم ويرمونها على جوانب الطرقات الزراعية، أو يتركونه يتساقط ويتراكم تحت الأشجار، حتى يأتي مربو الماشية ويأخذونه مجاناً، مقابل ترحيله من البساتين.

وبحرقة وقهر لا يوصفان، يقول زياد الراعي وهو اسم مستعار لمزارع من قرية الدامات شرقي اللاذقية، وموظف لدى القطاع الحكومي: “تعال وشاهد ماذا حل بكروم الليمون لدينا.”

وأضاف: “منذ أربعة أعوام ما لم تقتلع من الأشجار دمرها الصقيع، بعد أن اضررنا لعامين متتاليين لرمي المحصول، وتركه للرعاة، إيقافاً للنزيف والخسارة.”

ويروي “الراعي” كيف اقتلع هو وغيره من المزارعين أشجار الزيتون قبل سنوات في قرى متعددة كالمختارية ورويسة الحرش، ووطى الخان، ليقوموا بزراعة الحمضيات مكانها.

وبحسب إحصاءات مديرية زراعة اللاذقية لعام 2017، فإن عدد الأشجار المقتلعة بلغ نحو 20338 شجرة بمساحة أراض تبلغ 726 دونماً.

“تعفيش” ونهب للمحاصيل

لا تقف معاناة مزارعي اللاذقية عند هذا الحد، بل تجد هناك معاناة من نوع آخر، ابتدأت مع الحرب السورية، وبالتحديد منذ العام 2012، والذي شهد حركة نزوح واسعة في أرياف اللاذقية الشمالية الشرقية والغربية، هرباً من المعارك مثل قرية العوينات.

وتقع القرية في ريف اللاذقية الشمالي الشرقي وتبعد ما يقارب 45 كم عن اللاذقية، وهي غير آهلة حالياً، ولكن أصبح بإمكان السكان زيارتها ومتابعة أراضيهم وأرزاقهم فيها منذ ما يقارب السنتين.

غسان حمدو وهو اسم مستعار، لرجل في العقد السادس من العمر، من سكان قرية العوينات الأصليين، نزح منها مع إخوته وعائلاتهم منذ سنوات، وأقاموا بأماكن متفرقة في المحافظة.

ودأب “حمدو” منذ السماح لهم بزيارة أرضهم على الذهاب كل أسبوع أو أسبوعين لتفقد ما تبقى من معالم منازل العائلة وأراضيها المزروعة بأشجار الزيتون.

ومع اندلاع الحرائق في الريف الساحلي هذا العام تمكن من الذهاب إلى القرية مثله مثل الكثيرين من الذين تقع قراهم في تلك المنطقة والتي لحسن الحظ نجت بعض حقولها من الحرائق، لكنها لسوء الحظ “لم تنجوا من التعفيش والنهب.”

في نهاية آب/أغسطس الفائت قرر “حمدو” مع عائلته الذهاب إلى حقوله لجني ما تبقى من المحصول لكنه تفاجأ بوجود عناصر من الجيش في حقله يقومون بجني الزيتون، وهو ما تسبب بنشوب مشادات كلامية بينه وبينهم.

ويقول “حمدو”: “العابرون في طريق اللاذقية –حلب (القديم)، خلال مواسم جني الثمار، يشاهدون عشرات السيارات والدراجات النارية محملة بالمحاصيل المنهوبة.”

كما تنتشر العديد من الأكشاك المتنقلة على الأوتوستراد تشتري “من المعفشين الصغار، ما تبقى من المسروقات لهم بعد أن أخذ أسيادهم مجملها.” بحسب “حمدو”.

استثمار السياحة لصالح الحيتان

مطلع كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي قرر رئيس مجلس المدينة السابق نبيل أبو كف هدم 182 من شاليهات أوغاريت التي كانت على رقعة أرض تصل مساحتها 56 دونماً.

وتقول مصادر في المدينة إن العمل على هدم شاليهات مسبح أوغاريت جاءت تمهيداً لطرحها للاستثمار السياحي على الرغم من أن مسؤولين في مجلس المدينة قالوا في تصريحات صحفية إنه كان في إطار العمل على رفد مجلس اللاذقية بموارد أكبر.

لكن سكاناً في المدينة يرون أن الهدف ليس جلب الفائدة لهم، خصوصاً أن شرائح واسعة تعاني فقراً مدقعاً، ويضرون لدفع “ضريبة رفاهية حتى عند طلب فنجان قهوة على الكورنيش.”

كما يقول هؤلاء إن الهدف ليس إيجاد فرص عمالة دائمة، ولكن “لامتصاص جزء من العطالة.”

وقالت مريم نور وهو اسم مستعار لموظفة بدائرة السياحة إن السكان بهكذا سياسات باتوا “محرومين” من الاصطياف وليس السياحة فقط، نتيجة “للاستيلاء الجائر من قبل الحكومة وحيتان المال على مواقع الاصطياف، بهدف جذب السياحة ورؤوس الأموال الخارجية.”

وقالت أيضاً: “ليس لدينا بنية تحتية لمشاريع سياحية سواء كانت شعبية، وهي من حق المواطن أولاً، أو لجذب السياح من الخارج، إذ ما زالت الثقافة السائدة في هذا المجال هي سياسات مافيات المال والحرب والتشبيح.”

وأشارت “نور” إلى أن لديهم طبيعة خلابة ولكنها مهملة “وبشكل مقصود، وبالرغم من وجود ينابيع وأنهار صغيرة متدفقة، لكن مياهها تذهب هدراً بينما يعاني القرويون العطش.”

وقالت: “الإهمال والتجاهل مقصود ومخطط. يجب تضييق الخناق على أبناء المنطقة، وإغلاق سبل العيش، فالقوات المسلحة والأجهزة الأمنية أبوابها مشرعة لاستقبال الشباب.”

بقية جيل لم تلتهمه الحرب

وتشير احصائيات غير رسمية إلى أن أصبحت محافظة اللاذقية، تفتقر كما معظم المناطق السورية لجيل الشباب، فبين من اختطفهم الموت بسبب الحرب وبين من نزحوا، ومن تبقى لم يسلم من إعاقات جسدية دائمة بسبب الحرب أو يعاني مشاكل نفسية.

كما تشير إحصائيات إلى أن أكثر من مئتي ألف شاب من المحافظة قضوا نحبهم في الحرب السورية حتى اﻵن.

وقال معتقل سياسي سابق يبلغ من العمر (60 عاماً) واكتفى بالتعريف عن نفسه بأنه عضو في حزب العمل الشيوعي المحظور في سوريا منذ تأسيسه نهاية السبعينيات إنه وسط هذه المعمعة: ” يسعى النظام لترقيع قواته، عبر المراسيم والمصالحات والإغراءات، تحضيراً لدور تشريعي قادم، مع عجز المعارضات عن طرح البديل.”

وتساءل بحنق شديد: “ماذا يعني مرسوم البدل للخدمة العسكرية؟ هو تبرير وتبييض صفحة ولاة الأمور عن تهريب أولادهم من خدمة العلم. هي مساواة شكلية بين ابن المسؤول والمواطن الذي لا يستطيع تأمين رغيف الخبز.”

وقال: “الأول يدفع الأموال، والآخر يدفع حياته، ويا لها من مقارنة، أليست الأموال التي يدفعها ذلك المسؤول من حقوق المواطنين المجباة عن طريق الضرائب، أو الثروات المنهوبة بأشكال شتى.” 

في العام 2006 عيّن شادي عمران (45 عاماً) مدرساً في إحدى القرى التابعة لمدينة سراقب بمحافظة إدلب. ويقول أثناء ذهابي للقرية فُوجئ الكادر التعليمي بتعييني هناك، “وفيما بعد صارحني مدير المدرسة بأنهم ظنوا بأني عنصر أمن مدسوس بينهم.”

وحاول “عمران” أن يعود بذاكرته إلى الوراء: “مازلت حتى هذه اللحظة أتواصل مع من بقي منهم على قيد الحياة. عشت بينهم نحو سبعة أعوام، وخلالها عرفت منهم بأن الصورة لديهم عن اللاذقية، مؤطرة فقط بالقرداحة والأمن والتشبيح.”

وقال: ” لم يكنٍ يعلم هؤلاء إلى أي حد هناك أناس فقراء ومعدمون. كانت اللاذقية كبش الفداء لسوريا، ضُحي بها على مذبح تلك العصابات التي تعيث فيها الخراب.”

إعداد: حسام الزين – تحرير: حمزة همكي

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى