اقتصاديون سوريون يحملون دمشق مسؤولية هروب رؤوس الأموال إلى بيروت

دمشق – نورث برس

حمّل اقتصاديون وخبراء سوريون دمشق مسؤولية هروب رؤوس الأموال إلى العاصمة اللبنانية بيروت، وقالوا إن إيداعات الأموال السورية في المصارف اللبنانية أثّرت بشكل سلبي على الاقتصاد المحلي، تماماً كما ذهب إليه الرئيس السوري بشار الأسد قبل أيام.

وأضاف الاقتصاديون والخبراء في مقابلات حصرية لنورث أن هذه الإيداعات “ليست جديدة وتضاعفت بعد عام 2011.”

لكن وبالرغم من أن الرئيس السوري لم يذكر الأسباب، فإن هؤلاء حمّلوا الحكومات السورية المتعاقبة، مسؤولية هروب رؤوس الأموال، بسبب سياساتها الاقتصادية “الفاشلة”.

“سبب جوهري للأزمة”

وقالت لمياء عاصي، وهي خبيرة اقتصادية ووزيرة الاقتصاد السابقة، إن هروب الأموال السورية وتسرّبها إلى لبنان “كان سبباً رئيسياً وجوهرياً للأزمة الاقتصادية السورية.”

وأشارت “عاصي” المقيمة في دمشق، في مقابلة لنورث برس، إلى أن “أموال السوريين المودعة في لبنان كانت قبل الأزمة، وخروج الأموال بشكل كثيف باتجاه لبنان ودول الخليج وتركيا، من تداعيات الحرب.” 

وقبل أيام قال الرئيس السوري بشار الأسد أثناء حضوره معرضاً تجارياً بدمشق، إن “الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في سوريا منذ حوالي عدة أشهر سببها الأموال المودعة في لبنان.”

ولم يبرّئ الرئيس السوري الحصار والأميركيين، وقدَّر هذه الأموال بـ 20 إلى 42 مليار دولار.

وترجع “عاصي” هذا التسرّب إلى مجموعة أسباب منها أن النظام المالي السوري يعاني من ضعف الموثوقية إضافةً إلى العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية.

ويتسبب ذلك وفقاً لها بتعذّر إمكانية فتح الاعتماد وإجراء التحويلات المالية بيسر وسلاسة.

كما أن للسياسة النقدية لمصرف سورية المركزي واعتماد سعر صرف رسمي (غير حقيقي) أقل من السوق الموازية دورٌ في كثير من أسباب التسرب، بحسب “العاصي”.

وأما السبب الثالث، وفقاً للخبيرة الاقتصادية، فهو أن بعض الإيداعات عبارة عن أموال من مصادر غير شرعية، لذلك يقوم أصحابها بتهريبها للخارج لأنهم يخشون عليها من المصادرة أو الحجز.

في حين أن السبب الرابع يكمن في كون الحكومة السورية سمحت لما يعرفون “بالشركاء الاستراتيجيين” بتأسيس مصارف خاصة وهم تابعون لمصارف في لبنان، ما ساعد في عمليات التحويل إلى مصارفها الرئيسية خارج الحدود.

ومن بين الأسباب أيضاً وفق “عاصي” رفع الفوائد على الدولار من قبل المصرف المركزي في لبنان لاجتذاب المزيد من الأموال بالقطع الأجنبي له ومعظم هذه الأموال كانت سورية.

وكانت عمليات إيداع الأموال في لبنان موجودة قبل الحرب، بسبب بحث رجال أعمال سوريين عن “الأمان والثقة والمرونة بإنجاز المعاملات المالية.”

 وقالت “عاصي” إن السياسات النقدية لم تتغير، “سواء بالنسبة للفوائد أو تعدد أسعار الصرف.”

“عقلية الوصاية”

وفي السياق ذاته، اعتبر تامر قرقوط، وهو صحفي اقتصادي سوري مقيم في ألمانيا، أن “عقلية الوصاية على كبار رجال الأعمال المودعين أموالهم في لبنان تثير الاستغراب.”

وقال في مقابلة لنورث برس: “يسيطر الخوف على رجال الأعمال السوريين. يسكنهم الخوف على مستقبل أموالهم وأرباحهم، منذ التأميم مطلع ستينيات القرن الماضي وحتى الآن.”

وأضاف “قرقوط”:”على مدى ستة عقود، ظلّت الحكومات السورية تتخبط بسياساتها الاقتصادية، وتنطلق من موقف طوباوي يقول إنه من حق الوطن على أبنائه الاستثمار فيه.”

ويتساءل الصحفي: “أليس من حق السوريين التساؤل عن كيف نقلت هذه الأموال إلى لبنان ولماذا؟”

وقال: “إذا أضيف إليها ما تم نقله إلى الإمارات وروسيا وبيلاروسيا والهند ومصر وتركيا تصبح الأرقام كبيرة جداً.”

وأشار “قرقوط” إلى أن ما “يتجاهله” الأوصياء، أن الأموال السورية في مصارف لبنان، هي أموال ادخار وليست أموال استثمار، وبالتالي فإن دعوات إعادة هذه الأموال للاستثمار في سوريا “مضيعةٌ للوقت.”

وكان المركزي اللبناني قد رفع سعر الفائدة على الودائع بالقطع الأجنبي من 6 % إلى 9.89 % أساس وتصل إلى 14 % للمبالغ الكبيرة.

“حبر على ورق”

وقال ياسر قشلق، وهو رجل أعمال فلسطيني، إن “الأموال السورية المودعة في مصارف لبنان تكفي لإحداث فارق ملموس بجنون أسعار الصرف في سوريا.”

وأضاف قشلق وهو أيضاً رئيس حركة “فلسطين حرة” ويقيم في دمشق، أن “ضياع هذه الأموال هو أحد أسباب هذا الجنون.”

وقال: “ودائع السوريين محفوظة في لبنان كأرقام على ورق، والحلول التي يحاولون اجتراحها لن تكون مجدية ما لم يتم التعامل مع أساس المشكلة التي هي في لبنان.”

تمويل للمستوردات

وبحسب دراسة سورية تحت عنوان “لبنان أمام أزمة مالية مرتقبة، وآثار سيئة على الاقتصاد السوري”، فإن هناك إمكانية للاستفادة من تلك الودائع.

وتذهب الدراسة إلى أنه يمكن للحكومة السورية مطالبة لبنان بتمويل المستوردات السورية عبر حسابات المستوردين السوريين في المصارف اللبنانية بالدولار.

وترى الدراسة التي نشرتها صحيفة الوطن السورية شبه الرسمية، مؤخراً، أن “هذه العملية بسيطة لأنها تعتمد مبدأ التقاص المصرفي بشكل رئيسي.”

إعداد :أوس حمزة – تحرير: جان علي