في منازل غير مكسية بريف دمشق.. عائلات نازحة تعاني تفاقم الظروف المعيشية
دمشق – نورث برس
في حي دف الصخر بمدينة جرمانا، جنوب شرق العاصمة دمشق، تجلس شادية عثمان (53عاماً)، وهي نازحة من النشابية بمنطقة دوما، أمام باب غرفتها التي لا تحتوي على نوافذ، تبيع البسكويت وقطع الحلوى للأطفال، لتتدبر أمور معيشتها.
تقول النازحة الخمسينية إنها تعاني من ظروف معيشية صعبة منذ ثماني سنوات حين نزحت من مسقط رأسها، “وأعتمد على هذه البسطة الصغيرة لإعالة نفسي، وأحياناً يقدم لي الجيران مبالغ مالية بسيطة.”
وتعاني عائلات سورية نازحة في أرياف العاصمة دمشق من تدهور الوضع المعيشي، في ظل ما تشهده البلاد من أزمات خانقة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والخبز ومادتي البنزين والمازوت، وغيرها من الأعباء الاقتصادية التي تثقل كاهلهم.
وتشير “عثمان” إلى أن معاناتها تزداد كل عام مع حلول فصل الشتاء، “فليس لدي مدفأة والكهرباء تنقطع أغلب الأحيان، والبرد يسبب لي آلاماً شديدة في الساقين.”
وتضيف لنورث برس: “ومع ذلك أدفع أكثر من ستة آلاف ليرة لفواتير الكهرباء كل دورة.”
وكغالبية النازحين، لا تستطيع “عثمان” العودة إلى منزلها في مدينة النشابية، “لا أولاد لدي وأخواتي نزحن جميعاً، منهم من عاد إلى النشابية ولكنني لم أستطع العودة لأن بيتي مدمر.”
ورغم أن مساحة الغرفة التي تقطنها النازحة لا تتجاوز عشرة أمتار مربعة، إلا أنها تدفع شهرياً /20/ ألف ليرة كأجرة لمالكها.
وتدهور الوضع المعيشي لـ”عثمان”، أكثر خلال العامين الفائتين، إذ توقفت المساعدات المقدمة من الهلال الأحمر السوري، “كنت أتلقى مساعدات بمواد غذائية من الهلال الأحمر، ولكن تلك المساعدات توقفت منذ سنتين ولا أعرف ما هو السبب.”
وكان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة قد ذكر في أيار/ مايو الماضي أن تسعة ملايين و/300/ ألف شخص في سوريا يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن ما يقرب من نصف مليون طفل يعانون من التقزم نتيجة سوء التغذية.
كما قال الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في رسالة فيديو خلال مؤتمر بروكسل الرابع لدعم مستقبل سوريا والمنطقة المنعقد في حزيران/ يونيو الماضي: “بعد ما يقرب من عقد من الحرب والمصاعب الاقتصادية، لا يزال حجم المعاناة صادماً”.
وفي حي كرم صمادي في مدينة جرمانا، تقطن هدله حمود (37 عاماً)، وهي نازحة من مدينة مسكنة شرق حلب، مع عائلتها في منزل دون نوافذ ومرافق وأرضيات وأبواب، باستثناء الباب الرئيسي.
تقول إنهم يعيشون في ظروف قاسية جداً، “وأحياناً نبيت بلا طعام، فزوجي يعمل عتالاً وما يحصل عليه من عمله لا يكفي لشيء.”
وتدفع عائلة “حمود” شهرياً مبلغ /20/ ألف ليرة سورية لصاحب المنزل، “رغم أن المنزل غير صالح للسكن، لكننا مجبرون.”
ويعمل أكبر أطفال النازحة الثلاثينية البالغ من العمر /11/ عاماً، بجمع بقايا قطع البلاستيك والخبز اليابس وغيرها من المواد الصالحة لإعادة التدوير من حاويات القمامة، “ليساهم في تأمين مصروف البيت مع والده.”، حسب تعبيرها.
وتشير “حمود” إلى أنها تحصل كل خمسة أشهر على سلة غذائية من الهلال الأحمر السوري تتكون من عبوة زيت وكيلوغرامين من السكر وربطة معكرونة وكيلوغرام من الحمص، “هذه السلة الغذائية لا تكفي لأسبوع.”
وتتخوف النازحة الثلاثينية من بقائها بلا منزل مع قدوم فصل الشتاء، ” المنزل الذي نسكن به تم بيعه، وأنا أبحث عن منزل بالأجرة نفسها و لم أجد حتى الآن، أخشى أن نصبح في الشارع، فماذا سنفعل حينها؟”
وقال أصحاب مكاتب عقارية في مناطق مختلفة من أرياف دمشق لنورث برس إن نسبة عقود استئجار بيوت بلا إكساء تتراوح بين/10/ و/20/ بالمئة من مجمل عقود الإيجار.
ويقول رامي الخيّر، وهو محام من مدينة دمشق، إن هناك أبنية مخالفة في مدينة جرمانا وريفها، وهي غير مجهزة وتفتقر إلى الحد الأدنى من الظروف الإنسانية المناسبة، “لكن عمد المخالفون إلى استغلال حاجة النازحين للمأوى وتأجير هذه المخالفات دون كسوتها.”
وكان منسق الأمم المتحدة للإغاثة في حالات الطوارئ مارك لوكوك قد أشار في مؤتمر بروكسل الرابع إلى أن عدد سنوات الأزمة السورية يقترب من عدد سنوات الحربين العالميتين معاً، “إنها تعيث في الأرض فساداً وتوتراً اقتصادياً حاداً عبر المنطقة.
وفي حي القريات في جرمانا، يسكن محمد الغدير (54 عاماً )، وهو نازح من دير الزور، مع عائلته في منزل بلا إكساء ومكون من غرفة وصالون ومطبخ وحمام، “لا يمكنني استئجار منزل مكسي، بسبب الظروف المادية الصعبة.”
ولا يتلقى “الغدير” كسابقيه أي مساعدات إنسانية، “فقدت دفتر عائلتي أثناء النزوح، وصاحب البيت يرفض إجراء عقد إيجار لنا، وبدون العقد لا نستطيع الحصول على سند إقامة نحصل من خلاله على المعونات.”
ويعاني أحد أطفال النازح من نقص الكلس، فيما يعاني آخر من انخفاض الخضاب، أما زوجته فتعاني من داء السكري.
ويشير النازح أن المعاناة الأكبر تكمن مع حلول فصل الشتاء، “نحن على أبواب الشتاء ولا أعرف كيف سأدفئ هذا البيت، علقت البطانيات على النوافذ ولكن هذا لا يكفي.”