تل تمر – كنيسة "السيدة العذراء" في قرية تل نصري التي دمرها تنظيم "الدولة الإسلامية" عام 2015 - NPA

سريان وآشوريو شمال شرقي سوريا.. واقع متأزّم ومستقبل غامض

روج موسى – نورث برس

 

كان لمسيحيي شمالي سوريا  من السريان والآشوريين, الذين كانوا يمثلون ثلث مسيحيي سوريا, نصيبٌ كبير من الخسائر والهجرات المتتالية خلال الأعوام الثمانية الماضية، آخرها كانت الشهر الماضي على يد الجيش التركي وفصائله المعارضة المسلحة التابعة له، والتي برزت تحت مسمى "الجيش الوطني السوري".

 

صار استمرار القوات التركية وفصائل المعارضة المسلحة التابعة لها في العملية العسكرية في شمال شرقي سوريا، والتي باتت على مشارف القرى الآشورية والسريانية الشبه خالية، يقضُّ مضاجع آشوريي حوض الخابور شمال مدينة تل تمر بمنطقة الجزيرة السورية، والذين يتخوفون من تكرار سيناريو مجازر السيفو عام 1914 وهجمات تنظيم "الدولة الإسلامية" في سوريا والعراق عام 2015.

 

الآشوريون والسريان باتوا يملكون خيارين لا ثالث لهما، فإما الهجرة مجدداً، أو الحرب ضد الجيش التركي الذي كان يتقدم بوتيرة متقطعة نحو قراهم شمالي تل تمر، وكانت الحادثة التي تعرضت لها عائلة حصبونو السريانية في ثاني أيام العملية التركية بفعل قذيفة هاون استهدفت منزلهم في حي البشيرية بمدينة القامشلي، قد شكلت هاجس خوف كبير لدى مسيحيي الشمال.

ورغم الهدنة المعلنة في الثاني والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بين أنقرة و"قسد" بوساطة روسية في سوتشي، وما سبقها بخمسة أيام من اتفاق أمريكي تركي، يقضي بانسحاب "قسد" من المناطق الحدودية، استطاع الجيش التركي وفصائل المعارضة التابعة له، من قضم العشرات من القرى والبلدات جنوبي رأس العين وتل أبيض ليصلا إلى مشارف قرى حوض الخابور.

 

وبعد إعلان الهدنة, سيطر الجيش التركي على /88/ قرية ومزرعة غربي وجنوبي تل أبيض وشرقي رأس العين وشمالي تل تمر خلال عمليته العسكرية في شمال شرقي سوريا، والتي أدت لمقتل /68/ مدني وجرح /214/ آخرين وتهجير /64000/ مدني, نسبة منهم من المسيحيين, إلى جانب إفراغ 6// قرى آشورية وسريانية بعد إعلان وقف إطلاق النار، حسبما أعلن عنه المركز الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية في الثالث من كانون الأول/ديسمبر 2019.

 

وهُجِّر ما لا يقل عن /200/ مسيحي من مدينة رأس العين عقب سيطرة الجيش التركي عليها، أغلبهم من كبار السن والمزارعين، كانوا يمتلكون أراضي في القرى التابعة لمركز المدينة، دون أن يبقى أي مسيحي واحد، تخوفاً من إجبارهم على اعتناق الإسلام مثلما حدث لعائلة أرتين أدوريان الأرمنية في جرابلس شمال شرقي حلب.

 

تل تمر

 

تعتبر مدينة تل تمر، التجمع الأكبر للآشوريين في سوريا، ولا سيما في حوض نهر الخابور المار بأطرافها، فتنوع مكوناتها بين الكرد والعرب والآشوريون خصص لها مكانة خاصة في الشريحة الديمغرافية السورية.

 

وتقع تل تمر على الطريق الدولي (M4) الواصل بين الحدود العراقية السورية والبحر الأبيض المتوسط (/40/ كم الريف الشمالي الغربي لمدينة الحسكة, على بعد حوالي /30/ كم جنوب رأس العين/ سري كانيه) مشكلةً نقطة التقاء طرق هامة في الجزيرة.

 قُدر عدد سكانها عام 2010 بما يقارب العشرة آلاف نسمة، غالبيتهم من المسيحيين الذين هاجروا على مراحل من قراهم، أبرزها كانت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2012 حين دخلت "جبهة النصرة" لمدينة رأس العين، وشباط/فبراير 2015 أثناء هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على القرى   الآشورية فيها, إذ تم تهجير سكان هذه القرى وقتها.

 

 توافد إلى تل تمر عشرات الآلاف من النازحين من مناطق حلب وحمص والرقة ودير الزور، ليرتفع العدد فيها بعد إبعاد خطر تنظيم "الدولة الإسلامية" عن أطرافها، لحوالي //50000 نسمة، لينزح عشرة آلاف منهم ضمنهم آشوريين وسريانيين مؤخراً تخوفاً من اقتحام فصائل المعارضة المسلحة   للمدينة التي باتت على قرب /5/ كم من الجهة الشمالية للمدينة، إلى جانب استقبالها /35000/ مهجر من مدينة رأس العين بعد السيطرة التركية عليها.

 

 مكانها الجغرافي وأهميتها الديمغرافية، يعتبران عاملان أساسيان لمحاولات الأطراف السورية والدولية إحكام السيطرة عليها، فالولايات المتحدة الأمريكية ترسل عرباتها المدرعة القادمة من إقليم كردستان العراق إلى مناطق دير الزور والحسكة عبر مركز المدينة، التي توزعت فيه قوات للحكومة   السورية والشرطة العسكرية الروسية إلى جانب انتشارهم في الريف الشمالي والغربي مع استمرار مناوشات على خطوط النار بين المجلس العسكري السرياني التابع لـ"قسد" والفصائل المعارضة التابعة لتركياً.

 

وما يزال الخلاف حول آليات إدارة المدينة مستمر بين كلٍ من موسكو وأنقرة باعتبار عدم موافقة "قسد" على الشروط الروسية لتسليم تل تمر بشكل كامل للشرطة العسكرية الروسية والانسحاب لريفها الجنوبي إلى جانب استمرار الخرق التركي للهدنة المعلنة.

 

وارتفعت وتيرة التنسيق الروسي التركي في الداخل السوري، عقب تسليم مسلحي فصائل المعارضة صوامع العالية //6 كم غربي مركز المدينة على طريق (M4) الدولي للقوات الحكومية والجيش الروسي في الأول من كانون الأول/ديسمبر عقب سيطرة دامت لمدة شهر ونصف، والسماح لدخول ورشات فنية حكومية لداخل محطة مبروكة لتصليحها بإشراف تركي وروسي.

 

آراء

 

اعتبر سعيد لحدو (66 عاماً)، ممثل الآشوريين والسريانيين في الائتلاف الوطني لقوى المعارضة والثورة السورية ـ الواجهة السياسية لفصائل المعارضة المسلحة المدعومة تركياً ـ في تصريحه لـ"نورث برس" بأنهم في المنظمة الآثورية الديمقراطية التي يعتبر عضواً فيها أيضاً يرفضون في مبادئهم أي تدخل خارجي في الشأن السوري، وبالأخص التدخل التركي في سوريا والذي يهدف لوضع العقبات أمام تحقيق أي تطلع قومي كردي، كونه "سيؤثر بلا شك على الوضع الكردي في تركيا. وهذا ما لا يرغب به الأتراك عموماً، إضافة إلى الأطماع التركية الأخرى في سوريا والحلم العثماني المستدام لأردوغان".

 

فيما شدد نينوس إيشو (54  عاماً)، مسؤول المكتب السياسي للحزب الآشوري الديمقراطي ـ أحد أحزاب مجلس سوريا الديمقراطية ـ على أن العملية العسكرية التركية القائمة هي "لإعادة أمجاد السلطنة العثمانية، كما تهدف إلى تغييرٍ ديمغرافي واضح في المنطقة عبر خطة إسكان اللاجئين السوريين في تركيا بمناطق شمال شرقي سوريا مهددة بذلك النسيج الاجتماعي بحجة خلق منطقة آمنة".

 

"نحن نرفض أي عدوان على بلادنا من أي جهة كانت تركية أم إيرانية أو حتى أمريكية وهو واجب كل إنسان وطني"، بهذه الكلمات بدأ جميل ديار بكرلي مدير المرصد الآشوري لحقوق الإنسان حديثه لـ"نورث برس" معتبراً أن ما يحصل هو حرب تركية بالوكالة على أراضي الجزيرة التي يدفع ثمنها المواطن السوري.

 

وقال ديار بكرلي بأن الإدارة الذاتية كانت قادرة على قطع الطريق أمام الهجمة التركية من خلال الاهتمام بالشؤون الحياتية لسكان المنطقة "دون التدخل بقضايا أكبر منهم ومن المنطقة التي يديرونها".

 

من هم الآشوريون والسريان؟

 

يعود الوجود السرياني الآشوري في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين للألفية الرابعة قبل الميلاد، حين أعلن سركون الأكادي عن الإمبراطورية الأولى عام  2300 قبل الميلاد، لتأتي بعدها الامبراطورية البابلية التي أقامها حمورابي قبل الميلاد بـ 1830 عام.

وعُرف السريان الآشوريين قبل اعتناقهم للمسيحية بأنهم كانوا يعبدون آلهةً كـ"عشتار وشمس وكور ومردوخ".

 

 وعُزِّزَ الوجود الآشوري في هذه المنطقة أثناء قيام الامبراطورية الآشورية التي دامت لعشرة قرون، والتي كانت اللغة الآشورية فيها لغة التجارة لأكبر المساحات التي حكمتها والممتدة من أرمينيا وأذربيجان الحالية وصولاً لغرب إيران حتى السعودية جنوباً ومصر وليبيا وقبرص غرباً.

 

 وكان هناك العديد من القوى والامبراطوريات التي تحارب الآشوريون منها بابل والميديين، الأمر الذي أدى لسقوطهم نهائياً في عام 612 قبل الميلاد، لتتوالى فيما بعد سيطرة البيزنطيين والفرس والعثمانيين والفرنسيين على مناطق كان قد قطنها الآشور عبر التاريخ، لتبقى ثقافتهم حية مع تواجدٍ خجول لهم.

 

 وأثرت الكنيسة سلباً على الهوية القومية السريانية، لتبدأ النزعات المذهبية تسيطر على مفاصل الحياة السريانية والآشورية، حتى بدء الوعي القومي الجديد يظهر مجدداً في بدايات القرن العشرين في تركيا مع تشكل الحركة القومية الآشورية التي قادها الصحفي نعوم الياس يعقوب بالاخ المعروف بـ"نعوم   فايق" الذي كان قد سافر للولايات المتحدة الأمريكية عام 1912 هارباً من السلطات العثمانية التي قمعت الأقليات المسيحية.

 

ويعتبر الخامس من شباط/فبراير من كل عام هو عيد الصحافة السريانية نسبة لوفاة نعوم في التاريخ نفسه من عام 1930.

 

وتطور الوعي القومي لدى السريان والآشوريين والأرمن في تركيا مع مطالبتهم بحقوقهم الثقافية والاجتماعية، لحين بدأ العثمانيون بإبادة جماعية بحقهم مع بدء الحرب العالمية الأولى 1914-1918، ليهجَّروا إلى المناطق الجنوبية من تركيا حيث استقر معظمهم في شمال سوريا والعراق.

 

"آسيريان" سوريا

 

لكل من السريان والآشوريين تاريخ عريق في سوريا، التي يقول المؤرخ اليوناني هيرودوت، بأن اسمها مشتق من كلمة "آسيريان" وهو مصطلح يطلق على الشعب السرياني الآشوري، الأمر الذي أكدته الجريدة السورية الرسمية عام 1943 في أول صفحاتها.

 

وما تزال أغلب القرى السورية في الساحل والجزيرة تحمل  أسمائها السريانية القديمة.

 

بات المسيحيون ولاسيما الآشوريون منهم مهددين بالزوال في النسيج السوري، ولاسيما بعد هجرة الكثير منهم للقارة العجوز ودول الجوار السوري ليتبقى فقط /990/ شخصاً آشورياً في سوريا حسب إحصائية غير رسمية أجرتها بعض الكنائس في سوريا بداية العام الحالي.

 

وأسس الآشوريون في 1957 "المنظمة الآثورية الديمقراطية" أول حزب سياسي خاص بهم، وذلك بعد عام من تشكيل الكرد حزبهم السياسي الأول والذي يعرف باسم "الحزب الديمقراطي الكردستاني – سوريا" في ظل تنامي الحس القومي لدى الأقليات في سوريا.

 

بعد فرارهم من المجازر العثمانية واستقرارهم في سوريا وتشكيلهم حزبهم السياسي، أسس الأشوريون السريانيين مدارسهم الخاصة ومؤسسات ثقافية ونوادي رياضية في مدينة القامشلي التي باتت تعد تجمعهم الأكبر في سوريا.

 

ففي الإحصاء الذي أجرته بعثة كنيسة السريان الكاثوليكية عام 1931, بلغت نسبة المسيحيين في الجزيرة أكثر من 70% من عدد السكان الأصليين، القسم الأكبر منهم في مدينة القامشلي التي كانت مدينة حديثة العهد حيث كان يقطنها حوالي /2000/ عائلة منهم /850/ عائلة سريانية أرثوذكسية و/650/ عائلة أرمينية وعدة عوائل لكل طائفة مسيحية أخرى، إلى جانب تواجد عدة عوائل كردية وعربية ويهودية.

 

وبقي عدد المسيحيين في سوريا ثابتاً لعدة عقود، حيث بلغ تعدادهم 350000// أي ما يقارب /14/ % من عدد سكان سوريا قبل بدء الحرب العالمية الثانية  19451939-، ليتوزعوا فيما بعد على كل المدن السورية ولاسيما في المدن الشمالية بالجزيرة التي بلغت نسبة المسيحيين فيها 50 % من عدد السكان الكلي أيام الوحدة السورية المصرية 1958-1961.

 

وبلغ عدد المسيحيين قبل بداية الأزمة السورية في آذار/مارس 2011 حوالي /2.2/ مليون نسمة، لينخفض عددهم مع بدء الأزمة السورية ويصل إلى ما يقارب المليون, يعيش /60000/ منهم في الجزيرة.

 

السيفو السرياني

يعود الخوف الأكبر لمسيحي الشمال السوري من التوغل التركي في المنطقة إلى مجازر "السيفو" التي ارتكبها العثمانيون بحق الأقليات المسيحية في جنوبي شرق تركيا وإيران وسوريا مع بدايات الحرب العالمية الأولى، حيث تشير إحصائيات غير رسمية إلى مقتل /250000/  إلى /500000/ مدني.

 

كانت قد بدأت هذه الهجمات في أورميا بإيران، لتتطور لشكل الإبادة بعد مجازر هكاري وديار بكر وطور عابدين ووان، في محاولة عثمانية لتهجير المسيحيين المتواجدين في مناطقها الجنوبية، حيث كان يقدر عدد المسيحيين بمختلف أعراقهم بحوالي مليون مسيحيي في بدايات القرن العشرين، ليُقتل نصفهم ويهجر النصف الآخر إلى دول الجوار مثل سوريا والعراق حالياً.

وتنفي كل من أذريبجان وتركيا حدوث أي مجازر بحق السريانيين والآشوريين في مناطقهم، فيما حاولت الحكومة التركية خلال الخمسين عاماً الماضية إخفاء آثار مجازرها بحق الأقليات عبر منع أي اعتراف دولي بإدانة هذه المجازر في محاولة من حزب العدالة والتنمية الذي يقوده الرئيس التركي رجب طيب أردوغان منع صدور إدانات رسمية, الأمر الذي سينعكس بآثاره على الحكومة التركية الحالية.

 

واختلف وضع مجازر السريان والآشوريين عن وضع المجازر الأرمنية في المحافل الدولية، كونه لم يوجد للسريانيين والآشوريين أي كيان دولي رسمي يمثلهم، مما دفع بالعديد من مثقفيهم ومفكريهم بالتوجه للمنظمات الدولية الحقوقية لتثبيت هذه المجازر إلى جانب مجازر الأرمن.

 

حتى أعلنت الحكومة التركية في حزيران 2005 عن المادة /301/ من قانون العقوبات التركية والتي لا تزال حتى الآن تثير سخطاً بالأوساط التركية والتي تنص على أن أي إهانة للقومية التركية والجمهورية التركية هي جرم يلزم العقاب عليه، حيث كان الصحفي التركي هرانت دينك، الذي توفي في كانون الثاني /يناير 2007 ذو الأصول الأرمنية رئيس تحرير صحيفة أغوس الأرمنية أول من تمت إدانته بسبب هذه المادة.

 

المحرقة الأرمنية

في سيناريو مشابه وملاحق "للسيفو" السرياني والآشوري، توسعت مجازر العثمانيين لتشمل الأرمن أيضاً، حيث تعتبر المجزرة المرتكبة بحقهم ثاني أكبر مذبحة جماعية في التاريخ بعد الهولوكست، وتذكر بعض الإحصائيات عن مقتل أكثر من مليونٍ ونصف من الأرمن خلال المذابح التي بدأت في الرابع والعشرين من نيسان/أبريل 1915، حين هجَّر الجيش العثماني /270/ من قادة المجتمع الأرمني من اسطنبول إلى أنقرة، ليًصَفِّيهم فيما بعد.

 

هجر أغلب الأرمن مثل السريان والآشور إلى سوريا والعراق، وتوزعوا في أطراف المدن الكبرى حينها مثل حلب ودير الزور ودمشق وحماة وحمص.

فيما اعترفت حوالي /29/ دولة وكيان من ضمنها فرنسا وإيطاليا وسويسرا إلى جانب الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي بالإضافة للعديد من الأقاليم والولايات الأوروبية والأمريكية، بالإبادة الأرمنية.

 

وانضم مجلس النواب الأمريكي إلى الكيانات التي تعترف بالمذابح الجماعية التي ارتكبها العثمانيون بحق الأرمن والسريان عبر القرار /296/  الذي صوت /405/ نائب بالموافقة على تصديقه مقابل /11/ صوت ضد إقراره المذابح كإبادة.

 

وصادق مجلس النواب على هذا القرار أواخر تشرين الأول/أكتوبر، هذا العام، أي بعد بدء العملية العسكرية التركية التي كانت تنفذ هجماتها على مناطق رأس العين وتل أبيض والتي تضم كنائس وأراضي للسريان والآشور والأرمن، ليتبنى الكونغرس رسمياً في الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر 2019 قرار حصول مجازر "إبادة جماعية بحق الأرمن".

 

وينتشر أكثر من /140/  نصب تذكاري في /30/ بلد للدلالة على المجازر الجماعية بحق الأرمن والآشور والسريان، من ضمنهم النصب التذكاري الذي دمرته المنظمة التركية المعروفة باسم "الذئاب الرمادية" في فرنسا عام 1984.

 

 هجمات "الدولة"

 

تنتشر /33/ قرية آشورية في الأرياف الشمالية والغربية والجنوبية لتل تمر أكبرها قرية تل جمعة وغيرها مثل أم الكيف وتل طويل والسفح والعريشة متوزعة على الطرق الواصلة بين مدن رأس العين والحسكة وحلب بمركز المدينة.

 كان يوم الثالث والعشرين من شباط/فبراير 2015 يوماً مأساوياً على آشوريي سوريا ولاسيما الذين كانوا يقطنون القرى الجنوبية والغربية لتل تمر، حينما سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على /14/ قرية من ضمنهم قرية الغيبش التي يفصلها عن أحياء المدينة  مجرى نهر الخابور فقط، إلى جانب خطف /220/ آشوري.

 

 ودمر التنظيم حوالي /8/ كنائس في حوض الخابور من ضمنهم كنيسة السيدة العذراء, التي يبلغ عمرها أكثر من ثمانين عاماً, بقرية تل نصري بداية نيسان/أبريل 2015 في يوم أحد وافق عيد القيامة, إلى جانب استهدافهم كنيسة القديس مار توما في قرية أم الكيف.

 

 فيما أطلق سراح الآشوريين المختطفين على دفعات لمدة عام بعد واسطة مطران كنيسة المشرق الآشورية في سوريا مار أفرام أثنيل، بعد طلب التنظيم فدية مقدراها مليارين ومئتي مليون ليرة سورية (/22/ مليون دولار حينها).

 ولم نستطع الوصول للمطران مار أفرام أثنيل، الذي يعتبر الشخصية الدينية الآشورية الأولى في سوريا على الرغم من كل محاولات التواصل مع كنيسة المشرق والحزب الآشوري الديمقراطي للاستفسار عن الاتهام البريطاني له بتمويل تنظيم "الدولة الإسلامية"؛ بعد دفع الفدية التي ذكرت بعض المصادر   الآشورية بأنها قدرت بخمسة ملايين دولار.

 

واستمر السيناريو المخيف لمدينة تل تمر حتى بعد سيطرة وحدات حماية الشعب "YPG" على جميع القرى الآشورية في آيار/مايو 2015، حين حصد التنظيم أرواح 60// مدني وجُرح خلالها //80 آخرين في تفجير ثلاث شاحنات تبناه تنظيم "الدولة الإسلامية" رسمياً.

 

عسكرة الدين أم القومية ؟

 

تبلور المنطق العسكري لدى السريان مع بداية الأزمة السورية آذار/مارس 2011، حتى شكل السريان والآشوريون قواتهم العسكرية في الشمال السوري لحماية أنفسهم من "الجيش الحر" وتنظيم "الدولة الإسلامية" الذي كان أحد فصائل المعارضة في بداية ظهوره.

 

فخطوة رفع المسيحيين للسلاح ومقاتلة كل من فصائل المعارضة المسلحة وتنظيم "الدولة الإسلامية" تحت راية قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية لاقت معارضة جهات عدّة اتهمت القوات السريانية بـ"تنفيذ أجندات الداعمين لها".

 

وكانت أغلب هذه القوات قد دخلت حيز العمل العسكري على الأرض مع تنامي خطر تنظيم "الدولة الإسلامية"، الأمر الذي تعتبره القوات السريانية الآشورية السبب الرئيسي للتحالف مع القوى الكردية والعربية الموجودة في المنطقة حينها.

 

فيما رفضت كنيسة المشرق الآشورية في سوريا والتي فاوضت تنظيم "الدولة الإسلامية" على إطلاق سراح المختطفين الآشوريين الـ/220/, تبني أي قوات عسكرية آشورية أو سريانية، على نقيض حزبي الاتحاد السرياني والآشوري الديمقراطي اللذين أعلنا عن تبنيهم لقوات سريانية آشورية مثل المجلس العسكري السرياني ومجلس حرس الخابور.

 وكان إعلان الإدارة الذاتية الديمقراطية من قبل حركة المجتمع الديمقراطي الكردية بداية العام 2014, واستمرار وحدات حماية الشعب بعملياتها العسكرية ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في ريف بلدتي تل حميس وتل براك جنوبي القامشلي وضمن غرفة عمليات بركان الفرات مع بعض فصائل المعارضة   المسلحة في أرياف تل أبيض، دافعين قويين للآشوريين والسريان للوقوف جانب هذا المشروع الذي تأملوا منه الحصول على حقوقهم التي كانت مهددة مع انحسار سيطرة الحكومة السورية وتنامي خطر الجماعات الإسلامية المتشددة.

 

 ورغم محاولات بعض الأطراف الآشورية والسريانية في المنطقة حماية القرى الآشورية والسريانية وضبط الوضع الأمني فيها، إلا أن العديد من معارضي الإدارة الذاتية قالوا إن عسكرة الآشوريين والسريانيين تأتي كاستغلال من الإدارة لتجنيدهم وزجهم في الواجهة العسكرية السورية.

 

 وتختلف أنواع التوجهات والخطابات المستخدمة لدى القوات المسيحية السورية مثلما هي متباينة في القوات المسيحية العراقية أيضاً، فالمجلس العسكري السرياني السوري وكتائب "روح الله عيسى بن مريم" العراقية تتبع خطاباً دينياً، فيما تقوم قوات مجلس حرب الخابور وقوات السوتورو السوريتان   ووحدات سهل نينوى ودويخ نوشا العراقيتان باتباع الخطاب القومي.

 

ويمتلك سريانيّو وآشوريّو سهل نينوى شمال العراق قوات عسكرية متعددة يتوزع قوامها بين الألفين لثلاثة آلاف مقاتل مدعومة من قبل الحكومة العراقية وإقليم كردستان العراق مثل قوات سهل نينوى ووحدات سهل نينوى التي كانت أحد كتائبها قد طالبت بتسهيل دخولها للأراضي السورية للمشاركة في الدفاع عن قرى حوض الخابور إبان هجوم تنظيم "الدولة".

 وتلقت القوات المسيحية السورية والعراقية دعمها من عدة جهات دولية وإقليمية وحتى محلية، ففي كانون الأول/ديسمبر 2014 أقرت الولايات المتحدة الأمريكية بدعم القوات السريانية والآشورية العراقية بمليار وستمئة مليون دولار لمحاربة تنظيم "الدولة الإسلامية"، إلى جانب قيام الاتحاد الأوروبي بمطالبة دعم المجلس العسكري السرياني في سوريا،   ودعم كل من الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان العراق وقوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المستمر لها.

 

 فيما أفاد نبيل وردة الناطق باسم قوات مجلس حرس الخابور لـ"نورث برس" بأنهم لا يمتلكون أي اتصالات خاصة بهم مع أي جهة خارج ما أسماه بمنظومة "قوات سوريا الديمقراطية" قائلاً بأنهم مدعومين من قبل الأخيرة نافياً وجود خصوصية لديهم لدى التحالف الدولي والغرب كونهم الأقلية المسيحية في سوريا. مشيراً إلى فقدانهم العديد من مقاتليهم في   معارك ضد تنظيم "الدولة الإسلامية".

 

واجب وطني أم تنفيذ أجندة؟

و يتساءل سعيد لحدو المقيم في هولندا حالياً "هل يستطيع المسلحون بأسلحة فردية مهما بلغت شجاعتهم، مواجهة الجيش التركي الذي يعتبر أقوى جيش في الشرق الأوسط، وثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي؟" مكملاً "لولا الخطوط الحمراء الأمريكية لتركيا لكان الجيش التركي على الحدود العراقية" والخطوط التي لم يذكرها لحدو ستبقى وفق المصالح الأمريكية ولن يغيرها وجود أو عدم وجود "المسلحين المسيحيين" الذين قال بأنهم كانوا موجودين حين "اجتاح (داعش) قرى الخابور وخطفت المدنيين ودمرت كنائسهم وقراهم".

 

السياسي نينوس إيشو يرى بأن صد الهجوم التركي هو "واجب وطني مناط بجميع مكونات المجتمع السوري وليس الآشوري فقط كما هو واجب الدولة حماية حدودها" ليشدد على أنه ليس بقوات مسيحية فقط بل "هي قوات أعطت للوطن اسمه وأنها قوات اشورية, وعن أنفسنا؛ نحن الآشوريون لدينا قوات الناطورة وحرس الخابور الآشوري، قوات تم إنشاؤها لحماية الوجود الآشوري ولا تخدم أي أجندة سوى أجندة حماية وجودهم وخصوصيتهم وقد واجهت في هذا المجال الكثير من التحديات".

 

 

"السرياني العسكري"

 

أعلن المجلس العسكري السرياني والذي يعتبر أول قوة عسكرية مسيحية تشكلت بالأزمة السورية في كانون الثاني/يناير 2013، عن تحالفه مع وحدات حماية الشعب في الرابع عشر من كانون الثاني/يناير 2014 بعد أسبوعين من بدء الوحدات حملتها للسيطرة على بلدتي تل حميس وتل براك.

 

رابط : https://www.youtube.com/watch?v=VGbsKFUwuFE

 

ويدعم حزب الاتحاد السرياني المجلس العسكري الذي يبلغ قوامه أكثر من ألف مقاتل حسب مصادر مقربة من قيادة المجلس التي لم تجب على الأسئلة التي أرسلت لهم من قبل "نورث برس" على الرغم من الوعد بالإجابة.

وتعد قوات المجلس العسكري السرياني، قوات عسكرية هجومية مثلما هي دفاعية في بعض النقاط، حيث شاركت مع قوات سوريا الديمقراطية في أغلب حملاتها ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في الرقة ودير الزور ومنبج، في حين لم تسجل أي حالات اشتباك بين المجلس والقوات الحكومية منذ تأسيسه على عكس أغلب فصائل "قسد" التي كانت على عداوة مع الحكومة السورية.

 

فقد المجلس العشرات من مقاتليه في معارك ضد تنظيم "الدولة"، في حين كان قد شارك في معارك جبال سنجار في كانون الأول/ديسمبر 2014 شمال العراق.

 

ويتلقى مقاتلو المجلس العسكري تدريباتهم الخاصة في ثلاث أكاديميات منتشرة في الجزيرة السورية ولا سيما القوات النسائية منهم والتي خرَّجت أول دوراتها في آب/أغسطس 2015، مدعومين من قبل قيادة قوات سوريا الديمقراطية التي يشكل فيها المجلس عنصراً قوياً لإضافة الصبغة المسيحية على هذه القوات.

 

وعلى الرغم من مطالبة البرلمان الأوروبي حلفائه بدعم المجلس السرياني العسكري عام 2015، إلا أن المجلس لم يتلقَ أي مساعدات دولية سوى مساندة التحالف الدولي لهم كقوات سوريا الديمقراطية.

 

 بيان البرلمان الأوروبي

 

 واندمج المجلس مع قوات حرس الخابور الآشورية في السادس من تموز/يوليو الماضي ضمن تشكيل جديد أطلق عليه اسم "المجلس العسكري السرياني الآشوري" والذي أتى ضمن سلسلة المجالس المحلية التي أعلنت عنها "قسد" ضمن بدء اتفاقية مناطق "الآلية الأمنية".

 

 وتسلم المجلس العسكري السرياني وقوات حرس الخابور والسوتورو والناطورة مناطق حوض الخابور شمال تل تمر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي نتيجة لاستمرار هجمات الجيش التركي وفصائل المعارضة على القرى السريانية والآشورية في تلك المنطقة.

 

السوتورو "الحكومية" و"الديمقراطية"

تعتبر السوتورو الشرطة السريانية المحلية في سوريا، على غرار قوى الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية، تأسست في بلدة القحطانية/تربسبيه عام 2012، لتتوزع مع انحسار سيطرة الحكومة على الجزيرة السورية إلى المناطق السريانية الأخرى مثل المالكية/ ديريك والقامشلي لتساند الإدارة الذاتية في ملئ الفراغ الأمني الحاصل من خروج الحكومة السورية.

 

السوتورو والتي تعني "الحماية" بالسريانية، انقسمت لقسمين في مدينة القامشلي التي تديرها حتى الآن إدارتين، فقسمٌ بقي مؤيداً للإدارة الذاتية، فيما توجه القسم الآخر نحو الحكومة السورية وبات يعرف باسم "مكتب الحماية السرياني" ويعد أحد العناصر الهجومية للحكومة التي استعانت بهم في معارك بحمص ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" عام 2015.

 

حاول مكتب الحماية السريانية الخروج من القوقعة القومية له عبر تشكيل ما عُرفَ بـ"قوات حماية الجزيرة" في محاولة منهم لتشكيل قوات عربية كردية سريانية تحارب تنظيم "الدولة الإسلامية" الذي كان يشن هجمات عنيفة على مناطق الجزيرة السورية في يونيو 2015.

  وتعرف شعبياً في مدينة القامشلي كلا القوتين باسم "سوتورو النظام" و"سوتورو الإدارة"، ويبلغ عددهم بالمجمل حوالي ألف عنصر مسلح.

 

 ويتلقى السوتورو الحكومي الدعم من عدة جهات مثل بطريرك السريان الأرثودوكس، وهيئة السلم  الأهلي الأرثودوكسي والحكومة السورية والروسية، حيث كان أحيقار عيسى مسؤول العلاقات الخارجية لقوات حماية الجزيرة قد أشار لضعف دعمهم في لقاء مع موقع اليوم الثالث اللبناني قائلاً بأنهم تلقوا /100/ بندقية   فقط من الحكومة الروسية.

 

 فيما افتتحت القوات السريانية الحكومية أكاديمية في المربع الأمني بمدينة القامشلي لتأهيل مقاتليهم الذين باتوا يساندون الحكومة السورية في مناطق سيطرتها مثلما كانت قوات السوتورو تقوم بمؤازرة قوات سوريا الديمقراطية في حملاتها ضد تنظيم "الدولة".

 

حرس الخابور والناطورة الآشورية

يختلف الجانب العسكري لدى الآشوريين عن نظرائهم السريان، فالقوى الآشورية العسكرية، أغلبها تحارب ضمن صفوف قوات سوريا الديمقراطية دون أي وجود عسكري فعال لهم بين صفوف القوات الحكومية السورية.

 

حيث أسس الآشوريون في عام 2011  قوات الناطورة والتي تعتبر الشرطة الآشورية، وانتشرت في منطقة تل تمر، لتساند مجلس حرب الخابور الآشوري العسكري.

 

واستلمت هذه القوات الأمنية في أوائل عام 2017 مناطق حوض الخابور من وحدات حماية الشعب لتبسط سيطرتها على 33// قرية آشورية في ظل اعتبار بعض المراقبين هذه الخطوة بانها مجرد "حركة إعلامية" من قبل الوحدات لإظهار الجانب الرحيم منها.

 

بينما قوات حرس الخابور تعتبر قوات آشورية قومية تنتشر مثل الناطورة في قرى حوض الخابور وشاركت في حملات "قسد" ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" ولاسيما أثناء عملية صد الهجمات على مدينة تل تمر 2015.

 ويدعم الحزب الآشوري الديمقراطي والذي يعد أحد الأحزاب المشاركة بتأسيس مجلس سوريا الديمقراطية هاتين القوتين الأمنية والعسكرية على الرغم من ضعفهم الأمني والعسكري نسبة لقلة عدد عناصرهم الذي يبلغ حوالي /150/ حسبما أفاد ناطق المجلس في تصريحه، إضافة لضعف   تدريبهم الذي كان يجري في بعض الأحيان في أكاديميات وحدات حماية الشعب والمجلس العسكري السرياني.

 

 وكان اغتيال داوود جندو، القيادي في قوات حرس الخابور على يد مجهولين آيار/يونيو 2015 على الطريق الواصل بين مدينة تل تمر وبلدة زركان/أبو راسين التابعة لريف بلدة رأس العين/ سري كانيه علامة فارقة في العلاقة الآشورية مع "قسد" التي وجه العديد من مقاتلي هذه القوات   ومعارضي الإدارة الذاتية أصابع الاتهام لها.

 

 فيما انشقت قوات حرس الخابور في كانون الثاني/ديسمبر 2018 عن "قوات آشور" القوة العسكرية التي أطلقها الحزب الآشوري الديمقراطي لتجمع بين حرس الخابور والناطورة بعد ثلاثة أشهر من تشكيله.

 

 

نبع "الهجرة" الآشورية

 

باتت أغلب قرى حوض الخابور الشمالية لمدينة تل تمر هي الخط الفاصل بين فصائل المعارضة المسلحة والجيش التركي من جهة و"قسد" من جهة أخرى، فقرى العريشة وصودا وتل العصافير التي باتت تحت السيطرة التركية مباشرةً تقابل قرى مثل أم الكيف وتل طويل والتي تنتشر فيها القوات الآشورية والسريانية والحكومة السورية إلى جانب وجود دوريات روسية في بعض النقاط.

 

حيث يقول نبيل وردة بأن قواتهم منتشرة في كافة القرى الآشورية في الخابور الممتدة من تل طويل حتى أم الفرقان ذاكراً وجود خمس قرى آشورية في مرمى النيران مباشرة، وذكر القيادي بأن العديد من قراهم الآشورية تعرضت لعمليات قصف من قبل فصائل المعارضة المسلحة وهجمات بالطائرات المسيرة التركية.

فيما بقيت القرى الآشورية الجنوبية لتل تمر آمنة نسبياً لبعدها عن خطوط الاشتباكات وامتلائها بالنازحين الذي قدموا إليها من مدينة رأس العين وأريافها، ومدينة عفرين بريف حلب الشمالي، ففي قرية تل نصري يقطن حوالي //500 مهجر من مدينة عفرين.

 

التخوف الآشوري السرياني من استمرار العملية التركية العسكرية، جعل أهالي القرى التي باتت خط النار شمالي تل تمر ينزحون لمدينة الحسكة أو حتى الخروج من مناطق سيطرة "قسد" والتوجه نحو دمشق وحمص وحلب. حيث اعتبرت إحدى النساء الآشوريات بأن هذه العملية العسكرية هي "إبادة وفرمان" عليهم.

 

"الدولة التركية لديها سوابق بالإبادة الجماعية العرقية  مثل إبادة شعوبنا من آشوريين و سريان و أرمن قبل مئة سنة فلا نستغرب من القيام بمجازر جديدة" قالها القيادي وردة الذي صنف الوجود التركي داخل الأراضي السورية على أنه "احتلال".

 

لذلك باتت أغلب القرى الآشورية الواقعة شمال طريق (M4) الدولي خالية من سكانها الآشوريين والسريانيين، في ظل استمرار تخوفات أهالي المنطقة برمتهم من قيام الفصائل المسلحة باستهداف وجودهم بعدما ارتكبوه بحق كنيسة عفرين وكنيسة تل أبيض الأرمينية.

 

 

مخاوف انتهاء الوجود المسيحي

 

يؤكد سعيد لحدو ممثل الآشوريين والسريانيين في الائتلاف الوطني على أن أي صراع مسلح في المنطقة سيكون "اجتثاث" للوجود المسيحي الذي يشكل عامل توازن بين المكونات وميزة حضارية مؤكداً بأن "لا المعارضة المسلحة ولا غيرها قادرة على حماية خصوصية المكون السرياني الآشوري".

فيما عدد نينوس أيشو القيادي في الحزب الآشوري الديمقراطي والمقيم في ألمانيا, المخاطر التي قد تواجه أهالي المنطقة نتيجة للتدخل التركي مثل "تفريغ المنطقة من أبنائها ونزوحهم وفرض أفكارهم الظلامية أي بما يعني سيطرة الإسلام السياسي على المنطقة وآثاره على الآشوريين خاصة"، مستفسراً عن كيفية حماية المعارضة المسلحة خصوصية الآشوريين وهي في كل خطوة تتقدمها على الأرض تعتبر "خسارة للوجود الآشوري في المنطقة".

 

بينما أعرب جميل ديار بكرلي عن "عدم ثقته" بفصائل المعارضة المسلحة نسبة لتجاربها السابقة التي قال عنها "تعيث فساداً في كل منطقة تدخلها وتخرب النسيج الوطني وتنشر أجندات بعيدة كل البعد عن ثقافة وعادات السوريين، إلى جانب كونها فصائل غير منضبطة في غالبها ذات توجه إقصائي متطرف"، معتبراً بأن المخاطر التي ستلحق مسيحيي المنطقة ستكون كبيرة وستنهي وجودهم.

 

وتحدث ديار بكرلي بأن ما سيحمي الأقليات هو "قيام دولة ديمقراطية يتساوى فيها جميع المواطنين تحكمها قوانين و دساتير ديمقراطية يستطيع السوريون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم لا يكون هناك قومية أو دين له حظوة أكثر من دين أو قومية أخرى، الجميع متساوون".

 

 

الجالية الآشورية الأمريكية

 

كان صوت الجاليات المسيحية عموماً والسريانية والآشورية تحديداً في الولايات المتحدة ودول أوروبية بارزاً حول رفض قيام تركيا بالحملة العسكرية.

وكان لنشاطات الجالية الآشورية في الولايات المتحدة دوراً هاماً في دفع إدارة ترامب ونائبه مايك بنس المعروف بأنه الرجل المسيحي الملتزم في تلك الإدارة، لمحاولة التحرك لتقديم التفسيرات وبذل الجهد للحديث عن سعي أمريكي لحماية مكونات شمال وشرقي سوريا، حيث احتلت أخبار الهجوم التركي على منطقة تل تمر والقرى الآشورية المحيطة بها صفحات الصحف الأمريكية التي اتهمت ترامب بأنه أعطى الضوء الأخضر للغزو التركي.

 

وظهر ترامب بعد ثلاثة أيام من بدء العملية العسكرية التركية ليعلن تقديم /50/ مليون دولار ضمن إطار المساعدات المالية المقدمة لجماعات حقوق الإنسان, وتعهّد خلال حفل عشاء أُقيم بـ "قمّة الناخبين القيّمين" بدعم المسيحيين في كل مكان وحمايتهم, في محاولة واضحة منه للرد على الانتقادات  التي طالته نتيجة انسحاب القوات الأمريكية من مناطق بالشمال السوري, بينما ظهرت السكرتيرة الصحفية في البيت الأبيض لتقول إن هذه المساعدات المالية ستدعم "الضحايا من الأقليات الدينية والعرقية".

 

كل الوعود التي قطعتها الإدارة الأمريكية بعد العملية العسكرية التركية, لم توفرّ أدنى درجات الاستقرار والأمان لمواطني شمالي سوريا من السريان والأشوريين, لتتقلص كثافتهم السكانية هجمة إثر هجمة, وتبقى وعود حماية الأقليات ملوحة في الأفق دون تطبيق أي تدابير, في ظل هجمة تغيير ديمغرافي تستهدف كل المكونات الدينية والعرقية والقومية.