آراء وتحليلاتالرئيسيمرح البقاعي

حين يبكي الدكتاتور

تناقلت وسائل الإعلام العالمية مشاهد العرض العسكري “المرعب” الذي أقامته بيونغ يانغ مؤخّراً احتفاءً بمرور خمسة وسبعين عاماً على تأسيس حزب العمال الحاكم في دولة كوريا الشمالية، الدولة التي توارثتها عائلة واحدة  منذ الإعلان الرسمي عن تأسيسها في العام 1948، وآخر وريث للحكم فيها هو زعيمها الحالي “كيم جونغ أون”.

عن هذه الدولة التي ينتقل حكمها تعسُّفاً منذ سبعة عقود من الآباء إلى الأبناء بمعزلٍ كاملٍ عن الرأي الشعبي الذي لا حساب له البتة هناك أو أدنى أشكال المشاركة السياسية في واحدة من أواخر دول الاستبداد الشامل والحكم العسكري الطاغي في العالم المعزّز بالقوة النووية الضاربة، يسجّل التاريخ أنه إثر انتهاء الحرب العالمية الثانية في العام 1945 وتحرير شبه الجزيرة الكورية، ظلّت القوات السوفييتية في ذلك الوقت تسيطر على  كوريا المحرّرة إثر هزيمة اليابان، الأمر الذي مهّد إلى تقسيمها إلى شمالية وجنوبية. ففي العام العام 1946، ساند الاتحاد السوفييتي وصول “كيم أيل سونغ” إلى الحكم مُنصّباً نفسه رئيساً للجنة الشعبية المؤقتة لكوريا الشمالية التي تحوّلت فيما بعد إلى حزب العمال الحاكم. أعلن في التاسع من شهر سبتمبر/أيلول للعام 1948 عن تأسيس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية (كوريا الشمالية)، بينما أجريت انتخابات ديمقراطية في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة بإشراف من الأمم المتحدة في العام نفسه وأُعلن عن تأسيس جمهورية كوريا (كوريا الجنوبية)، وانقسمت شبه الجزيرة إلى شمال أوتوقراطي قمعي وجنوب ديمقراطي منفتح.

أما العرض العسكري الأخير الذي حضره “أون” محاطاً بحشد من العسكريين وكبار القادة في الدولة، فقد حمل مفاجأة لوجستية من العيار الثقيل لم يشهدها العالم من قبل في العروض العسكرية للجيوش؛ إنه الصاروخ الضخم العابر للقارات الذي كشفت عنه القوات المسلّحة الكورية الشمالية خلال العرض بشكل استعراضي مُستفزّ، كان يُقصد به التحدّي الضمني للولايات المتحدة الأميركية ولدفاعاتها في مواجهة هذا الصاروخ البالستي العملاق العابر للقارات.

الصاروخ الذي عُرض في الساحة التي تحمل اسم الجدّ  المؤسس “كيم إيل سونغ”، يعتبر أكبر صاروخ متحرك يعمل على الوقود السائل، ولا نظير له في أي مكان في العالم حتى عند أعتى الجيوش تسلّحاً وتقانةً. طول الصاروخ يبلغ 24 متراً، وقطره 2.5 متراً، وهو قادر على حمل  من ثلاثة إلى أربعة رؤوس نووية في آن واحد، ويعتقد المراقبون أنه صنع خصيصاً لاستهداف منظومة الدفاع الصاروخي في ولاية آلاسكا الأميركية.

الصاروخ لم يتم اختباره لمعرفة مدى فاعليته أو قدرته الهجومية كما يجري الحال حين تصنيع سلاح جديد، بينما يعتقد الخبراء العسكريون أنه مجرد “مجسّم” لتوجيه رسائل سياسية إلى إدارة الرئيس ترامب الحالية، وكذا إلى الإدارة القادمة في حال فوز جو بايدن بالرئاسة الأميركية. وقد اختار أون أن تكون الرسالة على شكر سلاح بالستي هائل ليقول لساكن البيت الأبيض أن بيونغ يانغ ستتابع تسلّحها الثقيل النووي، ولن تدخل في المفاوضات النهائية مع واشنطن كما كان قد بشّر لقاء أون مع الرئيس دونالد ترامب للدفع بمفاوضات الحدّ من التسلّح النووي.

فالرئيس ترامب وعدَ الأميركيين والعالم أن تطوير كوريا الشمالية لسلاح قادر على بلوغ أجزاء من الولايات المتحدة أمر لن يحصل، ويبدو أن أون يريد أن يقول للأميركيين والعالم أنه تمكّن من كسر وعد ترامب وتحطيم هيبة كلمته قبيل أسابيع من توجّه الناخب الأميركي إلى صناديق الاقتراع ليختار بين المرشَحين، بايدن وترامب، رئيساً للبلاد للسنوات الأربعة القادمة.

وقد شهد العام الأول لوصول الرئيس ترامب إلى السلطة إطلاق بيونغ يانغ الشمالية لصاروخ بالستي عابر للقارات بإمكانه الوصول إلى الولايات المتحدة، الأمر الذي خلق أزمة سياسية كبرى بين البلدين الخصمين انتهت بفتح باب المفاوضات الدبلوماسية بينهما. لكن تلك المحادثات التي كانت حدثاً تاريخياً استثنائياً جرى بين أكبر دولة راعية للديمقراطية في العالم من طرف، ودكتاتور مسلّح بهاجس عسكري عدواني من طرف آخر، قد انهارت بسرعة في قمة هانوي للعام 2019 بسبب الخلاف على حجم التنازلات التي سيقدّمها أون مقابل تخفيف ترامب من العقوبات المفروضة عليه. وليس الصاروخ الجديد نسخة 2020 إلا رسالة لواشنطن مفادها أن طموح كوريا الشمالية في تطوير ترسانتها النووية لن ينقطع، وأنه الأفضل الوصول لحلول مرضية لبيونغ يانغ بأقل خسائر ممكنة لواشنطن. ويبدو أن أون ينتظر نتائج الانتخابات الأميركية ليقرّر أي طريق سيسلك لرفع العقوبات عن بلاده، هل هو طريق الدبلوماسية أم أسلوب Rocket Man، أي الرجل الصاروخ، وهو اللقب الذي أطلقه عليه ترامب!

بقي أن نذكر أن أون، ذاك المستبدّ “العاطفي”، قد ذرف دمعة من عينه خلال الاستعراض العسكري المهيب لجيشه وهو يلقي خطابه مستحضراً ظروف فيروس كورونا الذي ضرب عشرات الدول في العالم وقتل مئات الألوف من البشر، وقد عجز عن دخول بلده، وبقيت كوريا الشمالية نظيفة من الجائحة بمعدّل “صفر” من الإصابات.

وحين يبكي الحاكم الربّ يبكي الشعب بالتأكيد. فالصور التي تناقلتها وكالات الأنباء أظهرت الجماهير المحتشدة لمتابعة العرض العسكري تبكي بحرقة تعاطفاً مع دمعة أون، واعترافاً بهذه الحالة الشعورية النادرة التي جسّدها زعيمهم المفدّى، وهو الزعيم عينه الذي أمَرَ بإعدام زوج عمته بإطلاق جسده من فوهة مدفع مضاد للطائرات، فمدافع الطغاة يمكنها أن تحمل رؤوساً بشرية أيضاً حين يغضب الحاكم المطلق.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى