آراء وتحليلاتالرئيسيحسين جمو

أسئلة سياسية على هامش فيلم اجتماعي

من بين الأفلام المعروضة على شبكة نتفلكس، فيلم “معجزة – Mucize” وهو من سيناريو وإخراج المغني الكردي الشهير، محسون قيرميزي-غول (اسمه الحقيقي عبدالله بوزانشير).

يتميز الفيلم، نصّاً، بمضمونه القاسي اجتماعياً، كما يدهش في الصورة البصرية البانورامية التي قدمها المخرج “قيرمزي- غول” ببراعة في قريةTaşbilek  بمقاطعة كاغيزمان “Kağızman” في كارس، على الحدود مع أرمينيا.

 تقطن في القرية عائلات من عشيرة ردكان الكبيرة التي تهيمن على مجمل المقاطعة، وفي العام الذي تم فيه تصوير الفيلم، عام 2014،  كانت بلدية المنطقة ما تزال في أيدي حزب الشعوب الديمقراطي، والمرجح أن هذا الوضع منح المخرج بعض التسهيلات التي ما كانت ستكون متوفرة لو أنه بدأ التصوير في فترة رئاسة حزب الحركة القومية لبلدية مقاطعة كاغيزمان “Kağızman”، التي تزيد فيها نسبة الكرد، وهم من عشيرة رودكان، عن 70%، وهي نتيجة تستدعي الاستعانة بعلم الاجتماع لتفسير عودة حزب الحركة القومية إلى هناك والتي تكررت في العام 2019 أيضاً. 

يسرد الفيلم قصة حقيقية لعائلة من الكرد الزازا عام 1960، وكان المخرج على علم بتفاصيلها منذ طفولته، وهو أيضاً ينتمي لقرية من قرى الزازا شمالي دياربكر، وعلى معرفة بالشخصية المحورية في الفيلم، عزيز، الشاب الثلاثيني العاجز المشلول نصفياً، الذي يجد نفسه بين ليلة وضحاها زوجاً لفتاة في غاية الجمال، كان والدها قد قدمها هدية له بعد أن أنقذه والد عزيز من محاولة اغتيال.

حصول الفيلم على رخصة للتصوير من السلطات يحتاج إلى تسوية ما، وهو ما يمكن التقاطه في خمسة مشاهد متعاكسة. الأول حين يتحدث مختار القرية مع المعلم الذي أوفدته الدولة من إزمير ليعلّم الأطفال حتى بدون وجود مدرسة، ويخاطبه بالقول: “لقد تأخرت دولتك /30/عاماً حتى وصلت إلينا “وهنا استعان المخرج بتاريخ قريةTaşbilek  ودمجها مع القصة الحقيقية التي حدثت في دياربكر. فالقرية تأسست عام 1928 حين أمرت هيئة إسكان العشائر بتوطين مجموعة من أفراد عشيرة رودكان “Redkan” في هذا الموقع المحاصر بجبال شاهقة.

المشهد الثاني خلال افتتاح المدرسة حين يطلب المعلّم بحماس، من أهل القرية والأطفال الوقوف دقيقة صمت على روح مصطفى كمال أتاتورك وكل المعلمين الذي فقدوا أرواحهم “في سبيل الوطن”. لم يقف أحد دقيقة صمت، لأنهم استغربوا عن سبب الوقوف دقيقة واحدة، ولماذا لا يعلنون الحداد أربعين يوماً، فتنهال الأسئلة “الساذجة – المسيّسة” على المعلم، فيلغي فكرة دقيقة الصمت.

المشهد الثالث، يغادر المعلم القرية إلى مدينته، وخلال الوداع يشير إلى مجموعة من قطاع الطرق هم من رجال القرية نفسها، لكنهم يعيشون في الجبال على ظهور أحصنتهم ومسلحين بالبنادق، ونادراً ما يأتون إلى القرية إلا حين استدعائهم، مثل مشاركة هؤلاء المتمردين في بناء مدرسة القرية، فيقول المعلم في وصفهم: هؤلاء ليسوا قطاع طرق .. لقد ساعدونا في بناء المدرسة”. هذه المشاهد الثلاثة هي رسائل رمزية وضع فيها المخرج رؤيته السياسية نفسها في نقد الدولة، ويوضح أين يقف هو وما هي هوية الفيلم، لكن في المقابل لكي يجعل هذه الرسائل تمر يجب عقد تسوية في الفيلم نفسه، ولا يكفي فقط وضع علم الجمهورية في ساحة المدرسة. لا بد من شيء آخر تكون فيه الدولة حاضرة في حياة الناس.

المشهد الأول في التسوية، أنه مقابل مقتطف صغير من أغنية بلهجة الزازا (دملكي Dimilkî) خلال وصول الحافلة بالمعلم إلى نهاية خط السير، تكون لغة الفيلم كاملة بالتركية، واللغة في الفيلم والفترة التي تدور فيها الأحداث غير واقعية، هي لغة خيالية في ذلك الزمن لأن لا أحد من هذه القرية كان على اتصال بـ”الجمهورية” حتى يتعلم لغتها. كان الريف الكردستاني البعيد نقياً من لوثة الجمهورية والتتريك.

المشهد الثاني في التسوية، يقوم الفيلم بتسليم أحد المتمردين للدولة، وكانت صيغة التسليم بسيطة. فقبل سنوات هرب الشاب جملو من القرية حين قتل شخصاً أهانه بشدّة ويرى نفسه غير مذنب، فهرب وانضم لبقية “قطّاع الطرق” الذين يرفض مختار القرية وصفهم بهذا التعبير غير اللائق ويعتبرهم “أصحاب هذه الجبال وهذه الأرض”. تطلب زوجة الرجل الهارب من الدولة والجمهورية منه العودة وتسليم نفسه من أجل أن يتمكن من الاعتناء بابنه الملتحق بالمدرسة. فيقوم بتسليم نفسه وسط الزغاريد، ويتلقى حكماً بالسجن أربع سنوات. ومنذ بداية الفيلم يتكرر مشهد امرأة تقف طيلة اليوم على صخرة وتنظر باتجاه الجبال لوقت طويل، في تعبير فج عن انتظارها قدوم زوجها.

هذا الجزء من الفيلم كتضحية من أجل التسوية ليس قليلاً، إنه ثمن مرتفع للغاية، لكنه مفهوم في هذه الجمهورية الخرافية. ففي هذه المشاهد الخاصة بشخصية جملو واستسلامه، تم استخدام فكرة العائلة بصيغتها المعاكسة للكفاح الكردي التاريخي، وتم وضعها في قالب العائلة البورجوازية “النووية” التي لا تتلاءم مع أسلوب التمرد والثورة، ولا تتناسب حتى مع أي درجة من المخاطرة السياسية. فبالنسبة للثائر جملو كان عليه أن يتخلى عن قيم الكفاح ضد قوانين الجمهورية في سبيل العائلة. وفكرة العائلة نفسها تم العمل عليها بثلاثة اتجاهات متعاكسة بين الجمهورية وحركة المقاومة الكردية.

في هذه الواقعة أيضاً تم استخدام الاستسلام كنتيجة لعدم جدوى التمرد على الدولة.

قد يكون غير اعتيادي أن تجري محاولة تشريح جسد فيلم اجتماعي لاستخلاص الرسائل السياسية فيه، لكن هكذا تجري الأمور في الجمهورية كتكتيك للنجاة من محاكم قد يعتقد الأصحاء عقلياً للوهلة الأولى أنها كاميرا خفية، مثل سجن شاب بسبب التصفير على منوال لحن أغنية كردية.  

ثمن التسوية لم يكن قليلاً، فدائما الحلول الوسط تكون مكلفة ولها ثمارها أيضاً. فالرسائل التي تم تمريرها لمصلحة رفض حلول الدولة للقضية الكردية، ليست هامشية ولا صغيرة.

هذه القراءة السياسية للفيلم غير السياسي، ظاهرياً، يفتح الباب أمام العديد من الأسئلة في مجالات علم الاجتماع والأحزاب والثقافة الجماهيرية.

في العام 1960، كان الواقع الاجتماعي في مقاطعة كاغيزمان نموذجاً لريف كردستان الواسع، من عفرين إلى بختياري ومن سلماس إلى كاخته. تأثرت المدن على نحو سطحي بالدولة الحديثة الناشئة في العراق وسوريا وإيران وتركيا، ما عدا نماذج قليلة ضربها التحديث بعنف، مثل آمد “ديار بكر” – التي كان يفترض أن تصبح عاصمة أتراك شرق الأناضول سكانياً – أما الريف الكردستاني، فبقي في مستوى متقارب، خارج الدولة الحديث حتى ذلك الحين. ويمكن اعتبار عام 1960 بداية التفاعل المباشر بين “نخبة القرى” الكردية والدولة. لذلك، تقدم البيئة البصرية في فيلم “معجزة” صورة تقريبية هي الأكثر دقة لريف كردستان في ذلك الوقت، وهذا يعني أن القضية الكردية في بيئة عام 1960 كانت ذات بنية اجتماعية متقاربة، وذات مركزية سياسية تتمحور حول فكرة كردستان المحتلة. ورغم التفاوت في النقلات الحزبية الثورية بين جزء كردستاني وآخر، فإن الريف الكردستاني كان يموج بالتمرد في ذلك الوقت. وحتى في شمال كردستان، الأكثر تعرضاً لهندسة القمع الأكاديمي الوحشي، كانت المناطق الجبلية نابضة بالتمرد على الدولة، من دون عمليات عسكرية، وما يقدمه الفيلم من مشاهد عن تنقل “قطاع الطرق” في الأنحاء بدون أن تكون لديهم مهام ثورية ضد الدولة، ليس اختلاقاً قام به محسون قيرميزي – غول، بل كانت بالفعل هناك مجموعات كردية مسلحة ترفض الانصياع لقوانين الدولة، مثل تسليم السلاح، والالتحاق بالخدمة العسكرية.

على أن هذه الفترة، الستينيات، ظهرت نخبة كردية مدينية، عملت على توجيه أصوات الكرد في اتجاهات محددة في الانتخابات بهدف خلق كتلة سياسية مؤثرة، كان من بين هذه النخبة الشخص اللامع الشاب موسى عنتر الذي له بصمة تاريخية في التأسيس للسياسات الكردية في الفضاء المديني الحديث بعد حقبة الهزائم الثورية المتسلسلة (1921 – 1925 – 1931 – 1937).

منذ فترة أحداث قرية معجزة، والبيئة البصرية المدهشة والدقيقة لحياة السكان، شكلت الأعوام التالية مفترق طرق للتطور السياسي الكردستاني، فباتت ملامح مستقلة تظهر على كل جزء، وتراجع الكفاح المتداخل بين أكراد كل دولة مع الأخرى. فبينما تحكم الكرد في المدن بحزب العمال التركي، وركّزوا كتلتهم الانتخابية الكبيرة لهذا الحزب، كان كردستان العراق يشهد أكبر ثورة في تاريخ الكردي الحديث حتى ذلك الحين، وهي ثورة أيلول 1961 بقيادة ملا مصطفى البارزاني.

من عام 1961 وحتى اليوم، تسير حركة المقاومة الكردية ضد الاحتلالات في مسارين متوازيين، الأول نموذج الكفاح القومي في كردستان العراق، المتلاقي مع صيغة الدولة الأمة، ومفهوم الكفاح في شمال كردستان، الذي بدأ أيضاً كصيغة تحررية لتأسيس دولة أمة، لكن فارق القوة والإمكانيات بين عدوي الكفاح الكردي، جمهورية العراق والجمهورية التركية، أدى إلى ظهور نموذجين تحرريين، يبدو ظاهرياً أن كلاهما مناسب لكل الأكراد في كردستانات المنطقة، لكن الخلط بينها سيؤدي إلى خراب سياسي مديد. لذلك، لا تصلح أحزاب كردستان العراق أن تقود الكفاح التحرري في كردستان تركيا، لأن في هذه الرقعة حتى إنتاج فيلم ما زال يحتاج إلى تسوية سياسية وحسابات أمنية مخيفة. كما أن أحزاب كردستان تركيا أيضاً لا تصلح لإدارة الصراع السياسي لأكراد العراق، لأن فضاء السياسة لكل منهما مختلف، وبنية الدولة العدو مختلفة كلياً، كانت هناك أنظمة العراق التي تمحورت وظيفتها على رمي القنابل على السكان، بما في ذلك الأسلحة الكيماوية، وبين دولة تركيا التي تقوم بالفعل نفسه، رمي القنابل وتدمير العمران كلياً، لكنها تقوم بمهمة أخرى يتولاها أكاديميون مخابراتيون بالتعاون مع كافة أجهزة الدولة، وهو العمل على إعادة تشكيل الإنسان الكردي بعد سحقه على مدى سنوات طويلة. ويمكن العثور على نتيجة ذلك في مقاطعة كاغيزمان وقريةTaşbilek . ففي العام 1960 كانت هذه القرية تنقطع عن العالم ثمانية شهور شتوية متواصلة ولا يربطها طريق معبد بأي مكان حضري. اليوم ليس فقط مخترقة بشبكة طرق، بل إن أكثر من نصف الكرد فيها يصوّتون لحزب الحركة القومية.

لم يعمل السياسيون الكرد بعد على تفكيك هذه الحقبة ومخرجاتها، فالانقسام الكردي الموجود حالياً ليس سببه فقط صراعات حزبية، بل في أن هناك مساران سلكتهما القومية الكردية، منذ أيام موسى عنتر وملا مصطفى بارزاني، لكن الجميع ينظر إلى مسار واحد فقط ويتجاهل أين بلغ الآخر.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى