آراء وتحليلاتالرئيسينبيل الملحم (سفريات نورث برس)

البرقع؟ لا… نحن نحب البكيني

لو جئناهم برأس أبو مصعب الزرقاوي لقالوا “وأنتم إرهابيون”، هكذا يظنُّ “فيصل”، وهو واحد من العاملين في “مصلحة المطاعم” في برلين، وما زال يظنُّ أن أوروبا معادية للإسلام، ولهذا، وكانت ماطرةً، رفع يديه إلى السماء ليدعو الله أن يُمطِر على الأمة الإسلامية… الإسلامية وحدها.

يقابل “فيصل” فتيات بالغن بالرقش على أجسادهن، وكأنهن يتفاعلن مع جدلية الجغرافية برفس جدل التاريخ، وبعدها “قرطٌ في الأنف، ونحتل أوروبا” و “بالاندماج” وروائع الفيمينست.

على الضفة الأخرى،  يذهب الرجل النيوزيلندي، برينتون تارانت، إلى اقتحام مسجد في كرايست تشيرتش ليرتكب مجزرةً وصل ضحاياها الى أربعين مصلّياً، دون أن ينسى أن ينقل مجزرته نقلاً مباشراً على صفحات “الفيس بوك”، أما وهو في المحكمة، فبدا وكأنما سقط توّاً من تدبير الآلهة، لتدمير الآخر “المسلم”، الذي صُعَق بقباحة فخذي الليدي غاغا، وعلى الآخر، الأوروبي، المختلف، أن يعيد بطحن عظام الوافد نقاء أوروبا التي توشك على الانهيار ما بعد الغزو الإسلامي… الغزو الذي جاء مُحمَّلاً على ظهر مراكب الهواء، تلك التي تغرقها لفحة هواء، ليُرسي في شوارع أوربا توازن الرعب.

لكم تكنولوجيا النووي والحرب السيبرانية، ولنا عظامنا.

يحدث هذا، ألم يهدد الرئيس التركي أوربا بـ :

سألقي المهاجرين في وجوهكم؟

اقرؤوا ما وراء الكلمات، الرئيس التركي لا ينطق عن هوى… فالرجل سيحارب بعظامنا، أقلّه بعظام السوريين كرداً وعرباً.

ولهذا، فقد دفع بأنصاره ليقيموا الصلاة على رصيف زون آلي، شارع العرب، حيث وجبات الشاورما، ومنوّعات البقلاوة، وحتى “الكوارع والمقادم”، ستجدها مُحاطةً بالمحتفلين، الذين يعثرون على “الهوية التائهة” في طناجر تُلقي بعائداتها على صندوق النقد الدولي.

ليس في برلين وحدها يحدث ذلك، برلين المدينة الكوزموبوليتية، مدينة عابري المدن… يحدث ذلك في باريس أيضاً، ما قاد حزب اليمين المتطرّف في فرنسا، إلى طلب تدخّل وزير الداخلية، جيرار كولومب، لمنع إقامة صلاة الجمعة في الشارع، فيما دعت البلدية إلى تنظيم مسيرة لوقف صلاة المسلمين في الشارع، ومن بعدها لإغلاق جمعيتين إسلاميتين من إستيان أورفيس، إثر قرار بغلق قاعة صلاة مسجد “كليشي لاغارين”، وهو واحد من المساجد الإسلامية الأكثر شهرة من بين المساجد في فرنسا.

فرنسيون “ودون أداة التعريف”، تضامنوا مع المسلمين… فرنسيون لادينيون، لاقوميون، ولاعرقيون، تضامنوا مع المسلمين، لا مسلمي “النص” و”فقه الشريعة”… بل مع المسلمين المُهَجَّرين من بلدانهم “طوعاً أو قسراً”…  إنها باريس، مدينة الثورات والحريات والرومانسية، ففي ساحة الحرية التي تحمل حكاية منحتها اسمها، اجتمع مئات الفرنسيين تعبيراً عن تضامنهم مع اللاجئين من المسلمين الفارين من الحروب والانتهاكات، حيث ردد المتجمهرون عبارات الترحيب بهم، وطالبوا بحق اللاجئين في العيش بإنسانية، أحد الخطباء يقول: “سوف نستمر بشجب أعمال العنف التي شهدناها في الهجمات ضد المهاجرين،  لكن ومن ناحية أخرى سيستمر حكامنا بتنظيم تهريب السلاح وشرعنته”.

كلامٌ بالغ الدلالة، “سيستمر حكامنا بتنظيم تهريب السلاح وشرعنته”.

كلام من أجل دمشق والسودان والعراق وليبيا، ولا بُدَّ أن الفرنسيين يدركون بكلّ العقل، أن هنري ليفي لعب بالمسألة الليبية كما يلعب ريفي سوري بالداما وهو يحمل التداعيات الجهنمية للقب: فيلسوف، وقد نخرت فلسفته عظام ليبيا، وها هو السيد إيمانويل ماكرون يتحضّر لزيارة لبنان، مسبوقاً بنبوءةٍ لوزير خارجيته، جان إيف لودريان

لبنان إلى زوال.

وكأنما يزوره الفرنسي كمشيّع جنازة.

في عام 2017، دخل حزب “البديل من أجل ألمانيا” البرلمان الألماني الاتحادي (البوندستاغ) كحزبٍ قومي متطرف لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، إذ حصل وقتها على /90/ مقعداً من أصل /598/ وحلَّ في المرتبة الثالثة ليتجاوز بذلك أحزاب الخضر واليسار.

واستغلَّ الحزب لجوء أكثر من مليون شخص إلى ألمانيا ما بين عامي 2015 و2016، وكان أغلبهم من دول ذات أغلبية مسلمة، ليثير الخوف لدى الناخب الألماني من الإسلام والمهاجرين، ولكسب المزيد من الأصوات والشعبية، حتى بات الملونون يظنّون أنفسهم وقد تحوّلوا إلى بوكو حرام أو شباب الصومال.

وصفَ زعيم الحزب، ألكسندر غاولاند، الإسلام بأنه “ظاهرة سياسية ليست جزءاً من ألمانيا”.

وطرحت أليس فيدل، شريكة غاولاند في الزعامة حينها، إحصاءات عن ارتفاع معدل جرائم العنف بين المهاجرين المسلمين وطالبي اللجوء السياسي، مشيرةً إلى أن وجود عدد كبير من المسلمين يؤدي إلى “تآكل دولة القانون والنظام”.

وقالت فيدل إن هناك أماكن صار الألمان يخشون السير فيها مثل ميدان كوتبوسر بحي كريزبرغ الذي يكثر فيه أبناء الجالية التركية. ولكن الواقع يرد على فيدل بحسب “دويتش فيله”، حيث أن هذا المكان مزدحم بالمتاجر والحانات وتراجعت فيه الجريمة في عام 2017.

ويطالب الحزب بمنع الحجاب الذي يعتبره علامة دينية سياسية على خضوع النساء للرجال، ويقول هذا الإعلان الانتخابي: “البرقع؟ لا… نحن نحب البكيني”.

ويطالب الحزب بحظر الآذان ومنع التمويل الأجنبي لبناء المساجد في ألمانيا، ويعتبرها رمزاً للهيمنة الإسلامية، كما يطالب بمنع النقاب الذي يراه تعبيراً عن خضوع النساء للرجال وإخضاع جميع الأئمة لرقابة وتدقيق الدولة، كما يدعو إلى إعادة العمل بالرقابة على الحدود داخل الاتحاد الأوروبي وإغلاق حدود الاتحاد الخارجية في وجه اللاجئين، وحتى السماح بإطلاق النار على اللاجئين الساعين إلى الدخول إلى الاتحاد بطرق غير شرعية.

لقد باتَ الإسلام لعبةً رابحةً في السياسات الأوربية، أكثر، لقد باتَ، أقلّه في المانيا، ممراً للنازيين الجدد، فالمتتبعون للحياة الألمانية، سيعثرون من وقت لآخر على تظاهرات لمجموعات غاضبة تجوب شوارع مدينة كيمنتس، ملوّحةً بأعلام ألمانيا فيما يؤدي بعض أفرادها التحية النازية، وهي تبحث عن أصحاب البشرة الداكنة الذين يطاردونهم كـ”الذئاب”، في ما يخشى أفراد الشرطة الذين يفوقون المجموعة عدداً التدخل.

هل هذا حال أوربا كلها؟

سنقول لا.

وبالوسع رسم حدود المفارقة:

في مدينة كولن الألمانية، مسيرةٌ لحركة الوطنيين الأوربيين ضدَّ أسلمة أوروبا، وهي الحركة المعروفة باسم “بيغيدا”…  نُظَّمت هذه الحركة للاحتجاج على تزايد الأعمال الإرهابية الناجمة عن التطرّف الديني المنسوب إلى الإسلاميين، وكذلك للاحتجاج على سياسات الحكومة بشأن اللاجئين، ويأتي هذا الاحتجاج بعد احتجاجٍ مماثلٍ شهدته مدينة دريسدن، يقابل هذه المجموعة، مجموعة حاشدة تجمّعت بساحة أخرى في الوقت نفسه، فتحتج على تظاهرة “بيغيدا” وتعتبرها حركة عنصرية، أما كاتدرائية كولن التاريخية ذات الشهرة العالمية والكنائس الأخرى، فقد عبّرت -من خلال إطفاء أنوارها- عن رفضها للمسيرة واعتبرتها معاديةً للإسلام.

المسلمون، وجميع أصحاب البشرة السمراء، مسكونون بالخوف، لهم ذلك، فهذا واحد من الإنجيليين، يلوِّح بإنجيله وهو يردد:

طريقكم إلى الجنة سيكون عبر الإنجيل… القرآن لا يوصلكم إلى الجنة.

وبعده سيكون الصراخ:

أيتها السيدة… هل ترتدين البكيني أم جلباب المنقبّة؟

والأمر ما زال يمرُّ بسلام، لكن هل يتم الأمر دوماً بسلام؟

بالتأكيد لا.

ثمّةَ أوساطٌ نرى فيها أشخاصاً يحركهم الغضب والأحكام المسبقة التي تُلهِب أفكارهم، وعلى جانبي اللعبة، فـ”فيصل” يدعو الله أن تُمطِر على بلاد المسلمين ويردد:

المسلمون فقط.

وعلى الجهة المقابلة:

وحده الإنجيل طريقك الى الجنة.

وفي عواصم أوربية، وكذا الحال في الولايات المتحدة، تخرج حشودٌ من الناس جاشت صدورهم غيظاً بدافع من المشاعر القومية، ممن اعتبروا المسلمين بلاءً متحسّرين على الأيام الخوالي، ومن أجل إنقاذ أرواحهم التي اعتبروها واقعةً تحت نير الغزو الاسلامي، فهرعوا لمناشدة حكامهم ومواطنيهم، فمن وجهة نظرهم فإن المسلمين الذين جاؤوا ضيوفاً الى ديارهم، باتوا الآن يفتحون أوروبا من كلِّ حدب وصوب، ولهذا فهم يطالبون بطردهم من البلاد، بعد اعتبارهم الخطر الأكبر، ثم ينشرون فيديوهات من مساجد إيران حيث المصلّون يبتهلون إلى الله بأن يرزقهم عيشاً طيباً، ومع انتهاء الصلاة يرفعون أصواتهم مرددين:

الموت لأميركا… ليتردد نشيد القذافي:

طز طز بأميركا.

ويعقبون على ذلك بالهتاف: “خامنئي زعيمنا وهو وريث النبي عليه السلام”.

ولا بأس أن تجد شيخاً معمّماً وهو يرى العالم دارين: دار إسلام، ودار حرب، وذلك في ضوء فهمٍ مستقرٍّ لشكل العلاقات الدولية في الإسلام، ومن ثم لا يستوعب سوى ثلاثة خيارات كانت أمام غير المسلمين في صدر الإسلام، وهي إما الدخول في الإسلام، أو دفع الجزية، أو الحرب.

والسؤال اليوم:

هل هؤلاء هم من متعصبي الدين والسياسة؟

على الأغلب نعم.

والحال كذلك، كيف يمكن العثور على الإرث المشترك للبشرية؟

كيف يمكن المواجهة مع الذات ومع الآخر؟

العراقي يقول لك:

لقد دمَّر الأميركان العراق.

والسوري يحكي بالمؤامرة الكونية، وكذا الليبي، فيما التركي يفتح معركة مع اليوناني، أما اللبنانيون فيقفون عراةً أمام بوابة صندوق النقد الدولي.

ما الخيارات المتاحة أمامنا لنكون:

بلا دين، بلا طائفة، بلا نصٍّ مثقلٍ بالأوامر والنواهي؟

ألسنا في عالم العولمة؟

ألا يكفينا كورونا واحد لنقول:

أيها السادة، نحنُ أمّة كورونا؟

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى