الرئيسيتحقيقات

نورث برس تنشر تفاصيل أكبر قضية “اختلاس” للمال العام في القامشلي

القامشلي – نورث برس

قضى ديوان العدالة الاجتماعية (محكمة)، في القامشلي شمال شرقي سوريا، الأحد، بالسجن لمدة خمسة أعوام، بعد التخفيض حكماً قابلاً للطعن أمام محكمة التمييز، على أعضاء شبكة “اختلسوا” ملايين الدولارات، وهي أكبر قضية تبت فيها محاكم الإدارة الذاتية في المدينة منذ تأسيسها في العام 2014.

وعقدت جلسة النطق بالحكم علنياً بعد تحقيقات استمرت لأكثر من سبعة أشهر “جمعت خلالها عشرات الأدلة بالإضافة إلى إقرار المتهمين بارتكاب عمليات اختلاس منظمة” وفقاً للنيابة العامة.

وبدأت القصة عندما دخل مؤسسان للشبكة الأراضي السورية في العام 2016  بصفة مستثمرين في مجال المستلزمات الطبية،  وذلك أثناء اشتداد المعارك بين قوات سوريا الديمقراطية وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) في شمالي سوريا وحاجة المنطقة للمواد الطبية بسبب حدّة المعارك.

محمد يلماز ومحمد كارا مستثمران قَدِما من مخيم مخمور بإقليم كردستان العراق، وتهيأت لهما الظروف للعمل في مجال تأمين المستلزمات الطبية لـمشفى “الشهيد خبات” العسكري في القامشلي.

ولكن بعد مرور نحو خمس سنوات، تبيّن أن يلماز وكارا أسسا شبكةً منظمةً قامت باختلاس أكثر من خمسة ملايين دولار أمريكي وفق تقديرات المحققين وطبقاً لملف الدعوة الذي اطلعت عليه “نورث برس”.

تأسيس الشبكة

بعد إدخال المواد الطبية لشمال شرقي سوريا من قبل المستثمرَين وكسب ثقة مسؤولين في الإدارة الذاتية، أصبح كل من يلماز وكارا عام 2016 عضوين في اللجنة العامة للأدوية والأجهزة العسكرية، الأمر الذي ساعدهما في تأسيس شبكة “الاختلاس” المُنظَّمة، وبصفة مستثمرين يعاونان الإدارة الذاتية في تأمين ما تعجز عنه في ذلك الوقت.

وبدأ تأسيس الشبكة من خلال إدخال ومشاركة أعضاء وكوادر طبية مشرفة على عملية شراء المستلزمات الطبية إلى مجموعة “يلماز” و”كارا” “للقيام بأعمال الاختلاس” وفقاً لما هو مُخططٌ مسبقاً.

وبعد فترة وجيزة، انضمَّ إليهما كل من غمكين سليمان، وهو إداري في مشفى “الشهيد خبات”، ومحمد سعيد عمر، المندوب الوحيد لـ”شركة توشيبا” اليابانية للإلكترونيات في منطقة الجزيرة، ومظلوم أوسكان، المسؤول في قسم شراء الأجهزة الطبية في المشفى، ومظلوم عبد اللطيف تونكا، المشرف على الإنشاءات العسكرية و مسؤول شركة “ميتاني ميد كوم” التي تبيّن فيما بعد أنها شركة وهمية وفق نتائج التحقيقات.

وبحسب ملف الدعوة، فإن شراء المستلزمات الطبية والأدوية في المشفى العسكري انحصر في هذه اللجنة “الشبكة المختلسة”، لتبدأ أول عملية اختلاس بـ”تزوير الفواتير”.

ويحتوي الملف على عشرات الوثائق والفواتير المزورة ضُبطت في منزل محمد كارا أثناء عمليات التفتيش وتضمُّ بطاقات شخصية عراقية وسورية بالإضافة إلى رخصة تاجر وجوازات سفر، فضلاً عن دفاتر فواتير لشركات وهمية وعقود بيع وشراء.

وجاء في تفاصيل التحقيقات أن اتفق أعضاء الشبكة على استلام غمكين سليمان لفواتير مختومة فارغة لتقوم الشبكة بملئها بمبالغ وهمية تزيد عن المبلغ الحقيقي بنسبة 20 %، بطريقة يصعب اكتشافها. حيث كانت الفواتير تُرسَلُ من دمشق عبر شخص يدعى هاني الأسعد، باسم شركاتٍ وهمية.

اختلاس بـ”قانون”   

وخطط أعضاء “شبكة الاختلاس” لتأسيس شركات وهمية تساعدها في قوننة عمليات البيع والشراء والتلاعب بالفواتير ليصعب كشف العمليات.     

وبحسب “اعترافات” واردة في الملف، أسست الشبكة شركة “ميتاني” وقامت بتسجيلها باسم غمكين سليمان، ليقوموا بجلب الأجهزة والمستلزمات الطبية الخاصة بالمشافي العسكرية عبر هذه الشركة.

ولكن الشبكة احتاجت لشركات وهمية أخرى، “لتشتيت المسؤولين في الإدارة الذاتية والمشفى من معرفة حجم الأموال المختلسة والطريقة التي يتم بها اختلاسها بوساطة فواتير مزورة صادرة عن شركة ميتاني”.

والشركات الوهمية هي (الرجب – هيومن فيس – الحياة – بيراميدس) كلها بأختام وفواتير مزورة، “مدعين أن هذه الشركات مقرّها حلب ودمشق”، بحسب ملف الدعوة.

وأشرف “كارا” بنفسه على تأسيس “شركة الرجب” بعد سفره إلى حلب بحجة اللقاء ببعض شركات الأدوية هناك، ولكن تبيّن فيما بعد أنها كانت عبارة عن “خدعة”، وهذه كانت أول ولادة لشركة بختم ودفاتر إيصالات وفواتير “وهمية”.

المطبعة.. إتمامٌ لعملية التزوير

وافتتحت شبكة الاختلاس مطبعة إلكترونية لطباعة الأوراق ودفاتر الفواتير في القامشلي، لتكون الغطاء لهذه الشركات الوهمية.

وحصلت الشبكة على ترخيص من قبل بلدية الشعب في القامشلي بفتح “مطبعة زينو”، لإعداد الأختام المزورة وطباعة الفواتير والسجلات العامة لشركات (الرجب – الحياة – وهيومن فيس – وبيراميدس).

وضُبطت في منازلهم نحو /5000/ فاتورة مزورة تعود لهذه الشركات الوهمية إلى جانب فواتير وعقود أخرى مزورة أثناء عمليات التفتيش التي قامت بها قوى الأمن الداخلي (الأسايش) والنيابة العامة.

وبحسب “اعترافات” محمد كارا، كما ورد في ملف المحكمة، فإنه خلال الهجوم الأخير الذي شنته القوات التركية وفصائل المعارضة المسلحة التابعة لها على سري كانيه وتل أبيض، اختلس مبالغ مالية ضخمة وصرف الكثير من الفواتير التي ليس لها وجود على أرض الواقع.

أما مظلوم أوسكان، فكانت مهمته استلام طلبات الأدوية من جميع الجهات المرتبطة باللجنة الطبية في القامشلي، وإجراء عروض الأسعار وشراء الأدوية من المستودعات الموجودة في القامشلي والمدن المجاورة، ليقوم بعد ذلك بتمزيق فواتير المستودعات الأساسية وإدخال الأدوية إلى مستودعات اللجنة بفواتير “شركة ميتاني” والشركات الوهمية الأخرى.

الإنشاءات العسكرية.. الوجهة الثانية

كانت الإنشاءات العسكرية القطاع الثاني الذي توجه إليها كل من “يلماز” و”كارا”، وذلك لمعرفتهما المسبقة بحاجة قوات سوريا الديمقراطية لتقوية نظامها الدفاعي، وخاصة بعد استمرار الهجمات التركية على المنطقة.

وعمد كل من “يلماز”  و”كارا”، بحسب “الاعترافات” الواردة في الملف إلى تأسيس شركة أخرى تحمل اسم “ميتاني ميد كوم” للإنشاءات العسكرية لتضم مظلوم تونكا القادم من مخيم مخمور بإقليم كردستان العراق بعد دعوته من قِبل “يلماز”.

وأشرف “تونكا” على الإنشاءات العسكرية في دير الزور والحسكة ومغلوجة وجبل عبد العزيز ومشفى الحسكة العسكري ومشفى تل بيدر، حيث قام هو أيضاً “بتزوير الفواتير”.

وعمد مظلوم تونكا إلى إنقاص كميات الحديد والإسمنت المقرر استخدامها في الأعمال المنشأة وسرقتها، بالاتفاق مع “يلماز” و”كارا”، ومخالفة المواصفات وفق “اعترافاتهم” واختلاس مبالغ مالية وإرسالها إلى الخارج.

غسيلٌ للأموال

وحجزت لجنة التحقيق والادعاء في القامشلي على الأموال المنقولة وغير المنقولة للمتهمين حيث تضمنت عشرات السيارات وعشرات العقارات بين شقق سكنية ومزارع وفيلات، إضافة إلى المبالغ المالية والذهب.

وأيضاً قام “غميكن” بإرسال /120/ ألف دولار إلى الولايات المتحدة الأمريكية لشراء شقة سكنية في شيكاغو، بحسب اعترافاته.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى