آراء وتحليلاتالرئيسيخورشيد دلي

الاتفاق الإسرائيلي-الإماراتي والتداعيات الإقليمية

جاء الاتفاق الإسرائيلي-الإماراتي-الأمريكي في توقيت مهم للأطراف الثلاثة، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحاجة ماسة إلى أي نجاح سياسي يستفيد منه في الانتخابات المقبلة في مواجهة خصمه الديمقراطي جو بايدن، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المُثقَل بالمشكلات الداخلية، هو الآخر بحاجة إلى أي نجاح يرفع من شعبيته ويحصّنه أمام القضاء في مواجهة تهم فساد وجهت له، والإمارات العربية التي تتعرض إلى هجمات غير مسبوقة من تركيا وإيران والإخوان المسلمين بحاجة إلى مسار سياسي إقليمي في مواجهة هذه الهجمات، والدفع بالأمور نحو استقرار إقليمي يقوّي من الموقف العربي في مواجهة الأجندة الإقليمية لتركيا وإيران، وفي الأساس، فإن الاتفاق الثلاثي بين الإمارات وإسرائيل والولايات المتحدة جاء في سياق الاتفاقيات السابقة التي وُقعت لتحقيق السلام في المنطقة وإيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية، فمن اتفاق كمب ديفيد بين مصر وإسرائيل، مروراً باتفاق وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، واتفاق أوسلو بين الفلسطينيين وإسرائيل، وصولاً إلى الاتفاق الثلاثي، ثمة هدف استراتيجي  يكمن في تحقيق السلام.                                                         

في بنود الاتفاق

بعيداً عن الذين أدمنوا نهج المزايدة، والخطابات الرنانة، والقنابل الصوتية، والمتاجرة السياسية، واستغلال العواطف الإنسانية والدينية والقومية والأخلاقية، وضع الاتفاق الثلاثي جملة من العناوين التي تشكّل امتحاناً للسلام، ولعل من أهم هذه العناوين:

– وقف عملية ضمّ الضفة الغربية التي وضعها بنيامين نتنياهو على نار حامية، بعد أن شيّدت إسرائيل عشرات المستوطنات فيها.

– وقف عملية ضمّ غور الأردن الذي يشكّل خزاناً بشرياً، وعمقاً جغرافياً للضفة الغربية، بما يعني الحفاظ على الديمغرافية الفلسطينية.

– الإبقاء على إمكانية حل الدولتين، بعد أن كادت إسرائيل تقضي عليه، بفعل الاستيطان وتقطيع أوصال المناطق الفلسطينية.

– ضمان وصول المسلمين إلى المسجد الأقصى للصلاة والعبادة، وهذا بحدِّ ذاته يشكّل منطلقاً للحفاظ على الأقصى في مواجهة الخطط الإسرائيلية الهادفة إلى تهويد الأقصى والقدس.                                          

– يشكّل الاتفاق فرصةً حقيقيةً لإعادة الحياة إلى مبادرات السلام التي طُرحت في السابق، وإلى إمكانية تحريك عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وحتى على المسار السوري حيث الجولان المحتل.           

– إن من شأن هذا الاتفاق توجيه البوصلة نحو إسرائيل للحدِّ من إجراءاتها القمعية ضد الفلسطينيين وحصارها لهم، إذ أن ذلك يشكّل مقياساً لرغبتها في تحقيق السلام.                                                     

– يشكّل الاتفاق منطلقاً لاتفاقيات مماثلة بين إسرائيل ودول عربية أخرى، وهو ما سيخلق مساراً لتعميق جهود السلام والاستقرار في المنطقة وعلى مستوى الإقليم من خلال تفاهمات واتفاقيات تحفظ الحقوق.       

وعليه، وفي ضوء هذه البنود، يمكن القول إن من شأن الاتفاق الثلاثي تحريك الجهود الهادفة إلى تحريك عملية السلام في الشرق الأوسط، ورسم خطوط جديدة على صعيد التحالفات والنظام الإقليمي.             

في التداعيات الإقليمية

مع التأكيد على أهمية العناوين السابقة في الاتفاق الثلاثي، فإن الاتفاق يشكّل تحولاً استراتيجياً على صعيد التطورات والمتغيرات والتحالفات الجارية في المنطقة، ففي الوقت الذي يفتح الاتفاق المجال أمام جهد عربي-إسرائيل- دولي لتحقيق السلام، فإنه يرسم في الوقت نفسه بدايةً جديدةً لوضع حدٍّ للأجندة الإقليمية وتحديدا لإيران وتركيا تجاه العالم العربي والمنطقة عموما، ولعلَّ هذا ما يفسر مسارعة الأمم المتحدة ودول أوروبا، فضلاً عن دول عربية مهمة كمصر والسعودية والأردن والبحرين… إلى إعلان دعمها للاتفاق، فيما كان لافتاً ومتوقعاً الرد الإيراني والتركي على الاتفاق، وإذا كان مفهوما أن الرد السلبي لإيران على الاتفاق يأتي في إطار استراتيجيتها المعروفة تجاه إسرائيل والتي تقوم على إيديولوجيا تهدف إلى تحقيق مشروعها التوسعي، فإن الموقف التركي بدا غريباً وصعباً ومتناقضاً معا، إذ لتركيا علاقة وثيقة مع إسرائيل، وهي تسخِّر هذه العلاقة في خدمة أهدافها، وفي الوقت نفسه تتاجر بالقضية الفلسطينية، فتركيا كانت أول دولة إسلامية تعترف بإسرائيل عام 1949 وارتبطت معها بسلسلة اتفاقيات استراتيجية عسكرية وأمنية واقتصادية وتجارية، كثيراً ما سخَّرتها إسرائيل ضد الدول العربية، وعليه ثمة قناعة بأن الرد التركي الجنوني من الاتفاق يأتي في إطار حساباتها من خسارة تلحق بها، إذ أن الاتفاق يخلق مساراً إسرائيلياً-عربياً سيكون من شأنه التأثير سلباً على المصالح الإقليمية التركية في العلاقة مع إسرائيل الولايات المتحدة. وعليه، فإن الاتفاق يخلق مساراً جديداً من شأنه وضع النقاط على الحروف بِشأن استخدام كلٍّ من تركيا وإيران للقضية الفلسطينية شعاراً سياسياً وإيديولوجياً وأخلاقيا لتحقيق أجندتهما التوسعية، فالاتفاق يؤسس لانتهاج العقلانية في ممارسة السياسة، والبحث عن حلول واقعية ممكنة بعيداً عن الخطابات الأيديولوجية الرنانة، خاصةً وأن متغيرات كثيرة حصلت في المنطقة، ليس على صعيد الخطاب السياسي والإيديولوجي فحسب، وإنما على صعيد الوقائع المتصلة بالتكنولوجيا، والتطور العلمي، والقدرات العسكرية، والتأسيس لمقومات المستقبل، وهي كلها معطيات تجعل من الصراعات القديمة التقليدية القائمة على الحروب صراعات عقيمة لن تجلب سوى المزيد من الدمار، فيما التطورات الحاصلة في ميادين الحياة باتت تتطلب انتهاج وسائل جديدة للوصول إلى حلول سياسية للقضايا المزمنة، وللحفاظ على الاستقرار ، وتحقيق السلام بتكلفة أقل من تكلفة الحروب المدمِّرة.                        

بالتأكيد، سيحاول الذين يهاجمون الاتفاق الثلاثي، كلٌّ لأسبابه ومشاريعه وإيديولوجيته الخاصة، عرقلة هذا الاتفاق وخنقه، ومثل هذا الأمر طبيعي ومتوقع، وسبق أن شاهدناه مع كل توقيع اتفاق سلام بين إسرائيل وأطراف عربية سبق أن وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل، لكن التاريخ أثبت أن هذه الطريقة من الممارسة والتفكير أضرّت بالقضية الفلسطينية أكثر من ما وفرت لها فرصةً حقيقيةً للسلام ونيل الحقوق، وعليه، فإن الاتفاق الثلاثي من حيث التوقيت والدلالات والظروف، يشكّل اختراقاً دبلوماسياً يؤمل منه توفير مقومات السلام المنشود؛ السلام الذي باتت المنطقة بأمس الحاجة له، خاصةً وأن نهج الحروب وسياسات الإقصاء والإنكار لم تأتي بحلول لقضايا المنطقة، بل أخرت التنمية والنمو، ومنعت تحقيق الديمقراطية والعدالة والسلام.             

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى