آراء وتحليلاتالرئيسيحسين جمو

العقل الغائب

ما زال الرأي العام في روجآفا وشمال شرق سوريا تحت صدمة مقترح لقانون يسمى “إدارة أملاك الغائب”. الواقع أن نقاشات تدور منذ أسبوعين، والسيء في الأمر أن سبب القانون يبدو مجهولاً للرأي العام، بل يبدو كأنه مصمّم خصيصاً لفضّ أنصار الإدارة عنها، والتأسيس لاغتراب الإدارة الذاتية عن المجتمع، رغم ما بدا من حسن نية أبدتها دائرة صناعة هذا القرار.  

ظاهرة اغتراب السلطة، أياً كانت، عن المجتمع، سنّة تاريخية، لكنها تحدث غالباً في الطور الأخير من عمر السلطة وليس في بداياتها التي تتسم أيضاً بالعنف والقرارات غير القابلة للنقاش.

أما أن يحدث ذلك في وقت لا يتجاوز فيه عمر الإدارة الذاتية عشر سنوات، فلا يمكن تفادي الحديث عن أمراض “السلطة المبكّرة” وضرورة معالجتها، وإزالة مكامن العناد في صناعة القرار، مثل قانون أملاك الغائب، الذي لم يقر بعد بشكل قانون، ولا يزال ممكناً إنقاذ الإدارة الذاتية من تداعيات هذا الاغتراب وإقرار القانون في ظل الظروف الحالية حيث صعوبات المعيشة تتفاقم على عموم السكان وكورونا يتفشى والمجتمع على حافة إحباط عام، فتأتي لجنة اقتراح القانون وتتوّج الجدل والنقاش بطريقة مغتربة عن المجتمع وبالقول إنّ الكثير من المغتربين طلبوا حماية أملاكهم بهذه الطريقة! أما الرأي العام فتجاوز الغضب من هذا المقترح، وبات في مستوى آخر من السلبية، وهو الشعور العميق بالإهانة.

ليس هناك من وضع أسوأ من وجود لجنة لا يُعرف كيف يتم اتخاذ القرار فيها ولماذا تعتبر نفسها الأب الذي يعرف مصلحة الأبناء.  

لم يسبق للإدارة الذاتية الديمقراطية في روجآفا وشمال شرق سوريا أنْ بلغت هذا المستوى من الحرج والانفصال عن المجتمع كما هي عليه بسبب النقاشات حول هذا القانون.

فالسلطة الجديدة، التي لا يتجاوز عمرها بضع سنوات، تأخّرت أصلاً في الانقلاب على البدايات المتواضعة وتأسيس هيكلية جديدة، لتتم التضحية فيه بعدد كبير من الطاقم القديم الذي لا يشوب إخلاصه شيء لكنه عجز عن التأقلم مع المرحلة الحالية.

وبسبب هذا الخلل الإداري باتت الإدارة تتناهشها دوائر قرار فريدة ومغتربة، وما زالت بعض دوائرها تريد استئناف البدايات التأسيسية نفسها، حين كان الخراب أقل، والمساءلة الإدارية أضعف، والإحباط الاجتماعي ألطف.  

إن نظرة للتاريخ توضح كيف أن حماقة قرارات صغيرة لا تراعي الرأي العام، تكون مقبرة للسلطة.

سقطت أمم وممالك عريقة في التاريخ، ذات جيوش وشرطة وعيون، وميراث تضحية للحفاظ على استقلال البلد في مرحلة ما، بسبب قرارات أقل ما يمكن أن توصف به أنها جميعاً قرارات اقترحتها الحماقة وأقرّها الفجور.

قبل أكثر من /700/ عام، كانت هناك مملكة شرقي الصين، تدعى “غوريو”، وهي اليوم نفسها التي تسمى شبه الجزيرة الكورية. نجحت “غوريو” في تنظيم مقاومة ناجحة ضد الغزو المغولي في الفترة نفسها التي دك فيها هؤلاء الغزاة الخلافة الإسلامية فأسقطوها ومزّقوها. لكن بعد سنوات قليلة، حين ظنّ النظام الطبقي في المملكة (النبلاء) أنهم في مأمن وبحبوحة وفائض من القوة ضد “العوام”، استخدموا معيشة الناس كمادة للتفاوض والمساومة في السياسات الداخلية، وبلغت الحماقة بزعيم أن ابتكر وسيلة لإعادة تقاسم السلطة بشكل يعزز من حصته على حساب خصوم آخرين، فقام برفع قيمة الضرائب على الفلاحين إلى 90% دفعة واحدة، مستخدماً القوة العسكرية لتنفيذ القرار بشكل سريع.

حين شعر بقية النبلاء بالخطر من ثورة يفجرها العوام، جاء مبتكر الضرائب وطلب توسيع سلطاته حتى يتراجع. لكن حماقته كانت ضربة حظ ابتسمت لتيار سري يعمل على قلب أركان المملكة، فاستغلت القرار المجحف، وعملت على إطالة أمده لكي تعمّق التأثير على الفلاحين والفقراء وتوجيههم لاحقاً ضد نظام الحكم، فكان أن انتهت سلالة حكمت المملكة مدة /700/ عام، مرت خلالها بمحن وغزوات ومقاومات ومظالم، لكن أياً من هذه تبلغ حماقة الـ90%.

والواقع أنه بالعودة إلى صفحات قليلة متوفرة للقارئ بالعربية عن تاريخ تلك المنطقة، وعدد من المسلسلات التاريخية على “نتفلكس” عن مملكة غوريو وسقوطها ثم تأسيس مملكة “جوسون” على أنقاضها، فإن قبل الـ90% كانت الضرائب تتراوح بين 50 إلى 70%، لكن العوام لم يفكروا بالثورة أو مساندة ثورة انقلابية جذرية. فما الذي تغيّر في الـ90%؟ هل فارق المبلغ المستقطع؟ الواقع أن هناك أمراً أكثر حسماً في مثل هذه المواقف، وهو بلوغ العوام قاع الإهانة، لأن الإهانة نفسها موجودة على مدار التاريخ، وفي كل أنماط إنتاجهم. فكانت تلك اللحظة المناسبة لتحرك الانقلابيين الأذكياء، على عكس الغارقين في أخطر وهم قد يواجه الطبقة السياسية المهيمِنة: “وَهْمُ مَوْتِ العَوام”.

سوق مثال قبل سبعة قرون قد لا يكون ذا تأثير مجدٍ، لذا هناك أمثلة أقرب زمنياً عما فعلته قرارات حمقاء بممالك وأمم وسلالات كانت تظن نفسها خالدة على العرش.

حين تسلم مظفّر الدين شاه، حكم الدولة القاجارية في إيران، عام 1896، كانت البلاد شبه خراب في المعيشة، وإسراف الشاه السابق، ناصر الدين شاه، بلغ حداً مهولاً، لكن كليهما، على ما تروي ابنة ناصر الدين وشقيقة مظفر الدين، الأميرة تاج السلطنة، في مذكراتها، لم يكونا يدركان ما يجري في إيران، وكيف يكفر قاع المجتمع تجاهه.

والقاع له قادته ومحركوه وممولوه من تجار البازار ورجال الدين، فقد منح مظفر الدين، الشاه المهووس بأوروبا بحجة العلاج الطبي، امتياز الحصول على كل إنتاج التبغ الإيراني لشركة بريطانية. فظهرت بوادر اضطرابات لدى أصحاب مزارع التبغ، خصوصاً في لورستان والبختيارية والكهكلوية، إلى أن تم إلغاء الامتياز، فتراجعت الثورة.

لكن حدثاً أقل حماقة من حيث فريته أسس لزوال السلالة القاجارية من الحكم، ودخول فكرة اقتلاع هذه العائلة إلى برامج الأحزاب. ففي عام 1906 قُتِل تاجر إيراني يبلغ /79/ عاماً تحت التعذيب بسبب اتهامات احتكاره السكر، فخرجت احتجاجات قادها المثقفون وطبقة التجار، وقدموا عريضة من المطالب وافق عليها الشاه، لكن الهتافات أسست لقطيعة نهائية ستتوج في العام 1925 باعتلاء رضا بهلوي الحكم. ففي الاحتجاجات ضد تعذيب التاجر وقتله، ظهرت تشبيهات لا خط رجعة فيها، تمثلت في ربط القاجار بيزيد بن معاوية!

تقول تاج السلطنة، شقيقة الشاه مظفّر عن أحداث 1906: الظاهر كان نفسه، إنما الباطن كان خراباً، يسير يوماً بعد يوم نحو السقوط. وإنْ كان الشخص حكيماً، وينظر بدقّة، كان له أن يقول: سلاماً على الحكم الذي سيسقط.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى