آراء وتحليلاتميغان بوديت

الأعمال الوحشية للمعارضة في المناطق المحتلة تعكس أساليب القمع في تركيا

 

دعت المنظمات الحقوقية تركيا مراراً إلى الوفاء بالتزاماتها القانونية الدولية كقوة احتلال في المناطق المحتلة في شمال سوريا ومنع الجرائم والمعاقبة عليها، وذلك رداً على انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة التي ارتكبتها مجموعات الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا في تلك المناطق.  

 

ورغم أن هذا هو التفاهم الليبرالي المتفق عليه لكيفية حماية الحقوق في ظل الاحتلال العسكري، إلا أنه يحتوي افتراض أن الدولة المحتلة لا تسمح عادة بحدوث الانتهاكات عمداً، وأن لديها الإرادة والقدرة على إيقافها.  

 

لكن الأدلة التاريخية تشير إلى أن الأمر ليس كذلك في حالة تركيا وسوريا، ففي الواقع لا يمكن تمييز التكتيكات والحجج التي استخدمتها تركيا لاستهداف الأقليات والمعارضين منذ عقود، بدءاً من الحكم العسكري والاتهامات الواسعة بالإرهاب إلى الاعتقالات التعسفية والاختفاء القسري والتعذيب، عن تلك التي يستخدمها الجيش الوطني السوري للأسباب نفسها في المناطق المحتلة في سوريا.   

 

وداخل حدود تركيا ومنذ عقود، يستخدم الحكم العسكري وحالات الطوارئ لسحق المعارضة واستهداف المدنيين، بدءاً من القوانين التي وضعت الأساس لمذبحة "ديرسم" عام 1937 من خلال إجراء التغيير الديموغرافي القسري، ومروراً بالنظام العسكري في الثمانينات، ووصولاً لمنع التجول العسكري المفروض في المدن الكردية في أعقاب حملة أردوغان الأخيرة.  

 

وبينما توجد حكومة مدنية مدعومة من تركيا في المناطق المحتلة، فإن يد الجماعات المسلحة تُطلق للقيام بعمليات الاعتقال ومصادرة الممتلكات دون معاقبة تلك الجماعات.

 

ويعيش المدنيون الكرد والإيزديون والمسيحيون، ومدنيون آخرون يُنظر إليهم على أنهم معارضون للاحتلال، تحت حكم عسكري فعلي.

 

ولا يمثُل ضحايا الاختطاف أمام محاكم مدنية، ولا توجد إجراءات قانونية مدنية تُنصف أولئك الذين تمت مصادرة أراضيهم الزراعية ومنازلهم وأعمالهم أو الذين حاولوا البحث عن العدالة لأقارب سجنوا أو قتلوا.

 

كما يستخدم الجيش الوطني السوري اتهامات الإرهاب لإسكات المعارضة واستهداف الأقليات بالطريقة نفسها التي تفعلها تركيا، فخلال الأسبوع الفائت فقط، اعتقلت جماعة "جيش الإسلام"، وهي جماعة متطرفة سيئة السمعة تستخدم المدنيين المعتقلين كدروع بشرية وتقصف الأحياء الكردية بالأسلحة الكيميائية، امرأتين كرديتين في مدينة عفرين واتهمتهما بالانتماء لحزب العمال الكردستاني.   

 

وكشف موقع "عفرين بوست"، وهو مصدر إخباري محلي يوثق انتهاكات حقوق الإنسان في المنطقة، أن المرأتين مدنيتان، كما استُهدفت والدة إحدى المرأتين وإخوتها في غارة على منزلهن يوم اعتقالها.  

 

وكثيراً ما تُستخدم مثل هذه الاتهامات الإرهابية، التي لا أساس لها، لإسكات وترويع المدنيين في المناطق المحتلة، فيتم اختطاف عشرات الأشخاص كل شهر بتهمة "التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية"، وفي إحدى الحالات السخيفة على وجه الخصوص، اتُهمت امرأة بالتورط في هجوم بقنبلة لم يتبناه أحد، وذلك بعد أن اشتكت من سعر الخبز في عفرين.

 

ولا يمكن تمييز هذه الانتهاكات عن السياسة التركية، ففي حزيران/ يونيو من العام 2018، تم توقيف /10,286/ شخصاً في تركيا للاشتباه بصلتهم بحزب العمال الكردستاني، وهي تهمة شاملة تُوجه لجميع الذين يعبرون عن أدنى معارضة للسياسة الاستبدادية والمعادية للكرد، كما تم اعتقال عشرات الأشخاص في الأسابيع القليلة الماضية وحدها، ومن ضمنهم مسؤولون منتخبون في حزب الشعوب الديمقراطي وصحفيون وناشطات نسويات.   

 

وفي بعض الحالات، تعبر هذه التهم التعسفية غير القانونية الحدود، فقد كشف تقرير صدر مؤخراً عن منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة"، وهي منظمة مراقبة لحقوق الإنسان، عن عشرات المدنيين السوريين من المناطق التي احتلتها تركيا أثناء العملية العسكرية التركية للسيطرة على منطقتي سري كانيه وتل أبيض ممن تم نقلهم بشكل غير قانوني إلى تركيا واعتقالهم لانتهاكهم القانون التركي.

 

وفي حديث مع موقع "المونيتور" في أيار/مايو الماضي، حذر محامي بعض المعتقلين من احتمال تعرضهم للتعذيب أثناء الاعتقال وإجبارهم على الإدلاء بتصريحات علنية.

 

ولم تكن هذه المعاملة اللاإنسانية للمدنيين السوريين هي الحادثة الوحيدة من نوعها، فقد أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان مؤخراً أنه تم العثور على العديد من النساء عاريات في سجن غير شرعي تديره فرقة "الحمزة"، وهي ميليشيا معروفة بمعاملة المدنيين بشكل مقيت، بينما لم تسمع بعض عائلات تلك النساء شيئاً عن مكان وجودهن منذ أكثر من عام، وقد قيل لأسرة إحداهن أن ابنتهم المفقودة قتلت.  

 

وتصف شهادات من سجون أخرى "للجيش الوطني السوري" التعذيب الوحشي والعنف الجنسي، حيث يتعرض المدنيون للهجوم والضرب بانتظام في منازلهم في المناطق المحتلة، وفي الشهر الماضي وحده كان هناك تقريران عن مقتل أشخاص مدنيين جراء التعذيب في السجن.  

 

تُذكّر هذه المشاهد بأسوأ انتهاكات قامت بها تركيا خلال حملة ضد سكانها من الكرد في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، ويعتقد المدافعون عن حقوق الإنسان أن /1353/ شخصاً على الأقل قد اختفوا بعد العام 1993بشكل قسري، معظمهم في المناطق الكردية.

 

وكشف تحقيق برلماني عن سجن /650/ ألف شخص على الأقل، في أعقاب الانقلاب العسكري عام 1980، تم محاكمة /230/ ألفاً من بينهم وموت /299/ في السجن وفقدان /171/ معتقلاُ لحياتهم تحت التعذيب.   

 

كل هذه الإجراءات تهدف إلى سحق أي معارضة لتركيا وتغيير التركيبة السكانية وضمان أن أولئك الذين يقبلون الحكم القومي ضيق النطاق والمحافظ والاستبدادي، هم فقط قادرون على التعبير عن آرائهم.   

 

وتتجاهل الدول والمنظمات الدولية الحقائق، وتتصرف كما لو أنه بإمكان تركيا تغيير هذه الممارسات في الخارج، في حين أنها تنفذ السياسات نفسها في الداخل.

 

وبدلاً من ذلك، يجب على المجتمع الدولي مواجهة ومعارضة انتهاكات حقوق الإنسان هذه أينما وقعت، ولا يمكن النظر إلى عقود من الاستبداد المحلي في المناطق الكردية في تركيا على أنها منفصلة عن وحشية الاحتلال العسكري المفروض على السوريين.   

 

لهذا السبب، فإن الإستراتيجية الوحيدة لإنهاء هذه الجرائم هي تلك التي طرحها أولئك الذين يعانون منها في كل من تركيا وسوريا على حد سواء، وهي إنهاء الاحتلال التركي للمناطق الكردية وايجاد حل سياسي للنزاع بحيث يسمح بتطبيق الديمقراطية والإدارة الذاتية على جانبي الحدود.  

 

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى