آراء وتحليلاتنبيل الملحم (سفريات نورث برس)

ها نحن في دولة "القيامة الآن"

 

لا نستغرب أن يحدث الزواج (وقريبًا) ما بين الرئيس طيب أردوغان، والمرشد العام للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، وقد جمعتهما مسيرتهما (المقدسة) نحو ممتلكات الله، وكتاب الله، وحرَّاس الله، بل نحو الله.

 

لم لا، والتاريخ قد أخفى عنا ولفترة زمنية طويلة أن آية الله الخميني زار مصر في أواخر الثلاثينات وتقابل مع حسن البنا وصاغا معاً رؤيتهما للكوكب الإسلامي، حتى أن آية الله الخميني، هجر جميع المسميات الحوزية مثل كلمتي المرجع والغاية، وحرص على كلمة مرشد الثورة تيمناً بالإمام البنا، أكثر من ذلك رفض أن يضيف إلى لقب (المرشد) لقب (العام) تاركاً الاسم المكتمل لحسن البنا واصفًا البنا بأنه "المرشد العام" و"من أحيا الروح الإسلامية في مصر في القرن العشرين" ولابأس لزوار طهران اليوم ودون بالغ بحث من زيارة تلك الساحة الضخمة في طهران المسماة "ساحة الشهيد حسن البنا".

 

في حال كهذا، وقد وصل "الاخوان" إلى قصر الرئاسة في أنقرة، وهو القصر المستوحى من العمارة السلجوقية، والذي يحوي على /1150/ غرفة، ما الذي يحول دون تخصيص بعضها لملالي طهران؟ لم لا يكون الزواج ما بين ورثة الله بشقيه (السني / الشيعي)  ليكون لكل منهما دولته الدينية، وهما الدولتان الدينيتان الوحيدتان في العالم ما بعد انهيار العلمانية التركية، والشاهنشاهية من قبلها في طهران، إذا ما استثنينا الفاتيكان، والفاتيكان وبكل المقاييس لا يحمل من الدولة أي من شروطها، سوى علمها بشعاره الأحمر المرسوم عليه تاج ومفاتيح لتكون الدولة الوحيدة الخالية من الأطفال.. الدولة الوحيدة التي لا يسمع فيها صوت رضيع، ذلك أن سكّانها، كل سكّانها من الرهبان والراهبات وقد حرّموا على أنفسهم الزواج، ما يعني أن الفاتيكان ليست دولة فيما تتمدد الدولة الدينية في تركيا وإيران، وكلتاهما دولتان تستثمران بالله، وهذا رجب طيب أردوغان ينقلنا إلى تجويد القرآن في آيا صوفيا، وسط ذهول مناصريه؟.

 

لم لا يبايع أحدهما الآخر، بعد أن يُسقطا الخلاف على الإمامة ويعتبرانها مسألة سياسية لا إيمانية فيستبدل الإمام الغائب بالإمام الحاضر، وقد ذهبت مجلة "الدعوة" الإخوانية ذات يوم إلى أن تتحول إلى منبر من منابر الدفاع عن الثورة الخمينية، وفي سبيل هذا الدفاع غضت الجماعة الطرف عن الاعتقالات وأحكام الإعدام التي صدرت بحق العشرات من أهل السنة في إيران؟.

 

لم يتألم الإخوان من أجل إخوانهم من السنة، ولم يرمش لهم جفن للقمع الذي حدث لهم في إيران "بل إن مجلات الإخوان ونشراتهم ودعاتهم سكتوا عن هذا الأمر وساهموا في إلقائه داخل جب سحيق من النسيان وكأن الأمر لا يعنيهم!" هذا ما قاله القيادي الإخواني  يوسف ندا مبرراً الاعتقالات والإعدامات في إيران بأنها مجرد "لكل ثورة أخطاء"!!  وها هي كتب سيد قطب تُدرس في مدارس الإعداد العقائدي لـ"الحرس الثوري الإيراني" كما لو كان سيد قطب مفتاح لبوابات عقول حرس الله؟.

 

والحال هكذا، لم لا تكونا دولتين دينيتين عاريتين وسط حلبة العالم؟

 

ليس مستبعداً ذاك اليوم الذي يحتلا فيه العالم، ومن بعده نرى فتيات ترجم بتهمة الزنى وسط ساحة من ساحات "كولن" الألمانية إلى جانب المسجد الكبير الذي دشنه أردوغان من بين ثمانية عشر مسجدًا في بلاد الألمان، مع أن الزنى، لا يعيق طهر الإيمان إن كان مأجوراً،  ففي تركيا، وحسب صحيفة الزمان التركية فإن الدعارة تدر ما مقداره (4/6) مليارات دولار سنوياً على خزينة الدولة في ظل حزب العدالة والتنمية، مما يجعل دولة الإخوان، الدولة رقم (10) في الاستفادة من أموال العاهرات.

 

أما بيوت الدعارة (المرخصة) فيها فقد وصل عددها إلى /650/ بيتًا في مختلف أرجاء البلاد فيما يعمل في اسطنبول وحدها ما يزيد عن /300/ ألف امرأة بالدعارة، بعضهن ينتهين نهايات مأساوية كالقتل والانتحار، ولابأس أن يرن هاتف غرفتك في الفندق ليأتي الصوت من الجهة الأخرى:

 

ـ هل ترغب بجليسة حتى الصباح؟

 

مومسات تركيا اللواتي يجلسن مطلات على بحر مرمرة  في اسطنبول، لسن بالضرورة كزميلاتهن في أمستردام حيث عروض عراة النوافذ وسط الإضاءات الحمراء، أما في طهران، فقد يختلف الحال عما هو عليه في اسطنبول.. في طهران مكاتب لبيع المتعة، نساء عتيقات وطازجات، ولا تستغرب إن كن قد فقدن في الحرب أزواجهن، نساء يبكين كل يوم.

 

وعلى  هذا، فعلى مؤرخي صعود الإسلام السياسي أن يتخذوا من إيران مختبراً لتحليل ورصد مصائر هذا الإسلام الذي جعل من أساسيات مشروعه الديني- السياسي استئصال الحداثة الغربية من أرض الإسلام ليزرع على أنقاضها "الحداثة الإسلامية" بما هي "إعادة الخلافة والتطبيق الكامل للشريعة" وفق قراءة للعفيف الخضر، يوم "اتخذت جميع الاحتياطات الضرورية لاجتثاث الحداثة الغربية بسد المنافذ التي يمكن أن تتسلل منها إلى وعي الإيرانيين وأسلوب حياتهم".. والحال هو الحال في تركيا أردوغان.

 

أما عن النتائج في إيران فكانت:

 

أسلمة الجامعات وأسلمة الإعلام، ومن "تسيء ارتداء الحجاب فلها /15/ يوماً سجناً أو /75/ جلدة"، كما فرض حراس الله على النساء اللون الأسود كحداد دائم على الأئمة، وعلى غيبة الإمام الـ/12/، لتكون النتائج رجم ما يزيد عن ألفي امرأة في عام واحد وتحت بصر وسمع الله.

 

وكان من النتائج:

 

مقاومة الناس (الكفرة) لحرّاس الله ومن تجلياتها (والكلام على عاتق العفيف)، أنه "قبل منع الاختلاط في المدارس والجامعات كان الشباب المدرسي والجامعي لا يمارس الجنس إلا بعد ثلاثة شهور من التعارف في المتوسط. أما بعد منع الاختلاط فأصبح يمارسه منذ اللقاء الأول".

 

ـ في عهد الشاه كان معدل البغاء في إيران أقل بكثير من المعدلات العالمية، أما بعد فرض الحدود الشرعية العتيقة فقد تحولت إيران، بشهادة صحافتها، إلى ماخور بلا جدران تُمارس فيه كل ألوان "الرذيلة" تحت سمع وبصر ميليشيات "الفضيلة"! أما عن المساجد فالمسجد الذي كان يصلى فيه، في عهد الشاه، بين (3 و5) آلاف مصل لم يعد يصلي فيه إلا /15/ صلاة الصبح و/25/ صلاة الظهر. ولأول مرة عرفت إيران ظاهرة الجوامع والمساجد الفارغة من المصلين.

 

بالنتيجة فكلما تكاثر حراس الله، وفي كلا الدولتين، كلما تاهت الدولة ما بين لوثتين، لوثة العقيدة ولوثة السوق، فيما مبعوثو القدر، يلقون بمواطنيهم في جهنم من اليوم، مستبقين مزامير القيامة يوم يخرج الناس حفاة عراة، وليس ثمة بأس فيما لو نقلوا جثامين ضحاياهم بالطنابر في دولتهم إلى دولة "القيامة الآن".

 

في إيران يتداخل الدين مع الدنيا، ليكون الدين هو "الولي الفقيه" الذي لا ينزل عن كرسيه حتى لو أفرغت بطون الناس من الطعام، وفي أنقرة، ها نحن نتابع وقائع الأيام التركية، وقد جعلت من البشر (أقله السوريين) حطباً من أجل خلافة الفقيه، وليس أمراً بائساً أبداً أن يرسلهم (المعلم) أردوغان في سفريات طويلة إلى خليج سرت، هناك حيث ليس ثمة من عقد يستوجب على المرسل دفن مرسليه.

 

وفي كليها، أنقرة وطهران، دولتان دينيتان تلعبان في إدارة الزمن.

 

زمن القيامة.

 

زمن الله، وفي الأروقة الخلفية ثمة من يذهب إلى الإمساك بالمفاتيح.. مفاتيح الشرق الأوسط في طريقه إلى الإمساك بمفاتيح الكرة الأرضية.

 

ـ أليس كلاهما وكلاء الله في الأرض، وكل الأرض من ممتلكات الله؟.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى