داريوس الدرويش
كادت أسوأ كوابيسنا أنّ تتحقق بعدما طرح قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، مبادرته بشأن "وحدة الصف الكردي"، إلّا أنّ التردد الطويل للمجلس الكردي، ورفضه عملياً لتلك المبادرة، بالإضافة إلى تصريحات عبدي الأخيرة حول عزمه على المضي في مبادرته دون المجلس الكردي، أبعد قليلاً خطر هذا الكابوس الذي تمثله "وحدة الصف الكردي" غير المطلوبة وغير النافعة، بل والضارة، وفق النموذج المطروح بشكله الحالي على المستويين الشعبي والقيادي.
صحيحٌ أنّ الكرد ضعفاء ومعدمون، ومطلوب منهم نظرياً أنّ يكونوا براغماتيين في استغلال كل ما يتوفر لهم من مصادر القوة، وأولها القوة الداخلية، إلّا أنّه من المستحيل أيضاً، نظريّاً وعمليّاً، استغلال ما لا يتوفر منها، كالمجلس الكردي. فرغم ضآلة قوته على المستوى الشعبي، وخاصة بعد تعرضه لانتقادات شديدة نتيجة استمراره في الائتلاف السوري المعارض بعد الاحتلال التركي لعفرين، ولانتقادات أشدّ بعد الاحتلال التركي لرأس العين، ورغم ضآلة قوته على المستوى السياسي كونه عضواً من الدرجة الثانية في الائتلاف السوري المعارض ولا يتمتع إلّا بتمثيل صغير جداً في المحافل الدولية، إلّا أنّ المجلس الكردي يسعى لاستغلال هاتين القوتين لضمان احتكاره الوجود الكردي في المسار السياسي السوري، وذلك بهدف مواجهة استئثار حزب الاتحاد الديمقراطي بالسلطة ضمن المناطق الكردية. أي أنّ القوة السياسية للمجلس الكردي ليست قوة داخلية متوفرة يمكن استغلالها ضد الخارج، إنما هي قوة موجهة ضد الداخل أساساً.
كذلك، لا قوات المجلس الكردي ولا علاقاته مع تركيا تغري بإمكانية استغلالها من قبل كرد سوريا، فمن نافل القول إنّ المجلس لا يملك إلّا سلطة اسمية على "بيشمركة روج" التي لا تتلقى تمويلها ولا سلاحها منه، كما لم يستخدمها المجلس في أي معركة خاصة به أو بالكرد منذ اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، وهي الحروب التي تستخدم فيها عادة القوات غير النظامية، كما أنّ علاقات المجلس الكردي مع تركيا قد لا تكون من النوع القادر على تخفيف التوتر معها والعيش في جوارها بسلام، فتجارب عفرين ورأس العين، وإقصاء الائتلاف لهم عن قيادة تلك التجربتين، بل وقيام "الميليشيات الإسلامية" التابعة للائتلاف باعتقال أعضاء من المجلس الكردي، رغم كونهم أعضاء في مجالس "الاحتلال"، تحمل رسائل تركية واضحة بأن السلام معها، إن كان ممكناً، فلن يكون من الحكمة استغلال المجلس كمعبر أو واسطة له.
إلّا أنّ الكابوس الحقيقي ليس في عدم صلاحية المجلس لوحدة الصف الكردي أو عدم تشكيله قيمة مضافة عليها، إنما هو في إصرار الإدارة الذاتية وقسد على إعادة طرح هذا النموذج من الوحدة بين الفينة والأخرى، والذي يوحي، من جهة، باستغلالها سياسياً لشعار شعبي تحوّل، منذ بدء الخليقة الحزبية قبل ستة عقود وحتى اليوم، إلى واحدة من علامات الحكمة السياسية لدى كرد سوريا، والتي طالما ضمنت للكرد شماعة من "الآخر غير المتحد" يعلّقون عليها مسؤولية خساراتهم المتحصلة بغالبها نتيجة المواجهة مع دول هائلة القوة. من جهة أخرى، يوحي هذا الإصرار بما هو أبعد من ذلك: وهو هروب الإدارة الذاتية من الإصلاحات الحقيقية ومن الاستحقاق الديمقراطي عبر التلطي خلف "وحدة الصف الكردي"، والتي تعني بالنسبة لهم تحالفاً شكلياً بين الأحزاب الكردية يخفي تحته تقاسماً للسلطة كشأنٍ خاص، بدل أن يعني وحدة الشارع الكردي مع سلطته عبر الدمقرطة ونزع الطابع الحزبي عنها.
لطالما حملت وحدة الصف الكردي عصاً سحرية ينتظر منها أن تقدم حلولاً سهلة لكل العقبات التي تواجه الكرد في طريقهم للحرية، وبات مؤخراً هذا الشعار مطلباً جماهيرياً ملحّاً بعدما تُرك الكرد وحدهم في مواجهة جبروت الآلة العسكريّة التّركيّة، وتوثّب كل من النظام وروسيا للانقضاض عليهم وإنهائهم.
الحال أنّه لو شاءت الأقدار أن تُتمم وحدة الصف الكردي وفق هذا النموذج، فإنّه من المستبعد أن تحقق أي مكاسب مهمة سواء في مواجهة المخاطر التركية والسورية والروسية، أو في تمثيل الكرد في العملية السياسية السورية، كما أنّ هذا النموذج يقلص بشكل كبير آمال تشكل معارضة قوية للإدارة الذاتية، ويعيق تشكل وحدة الصف الكردي الحقيقية والديمقراطية.