نعم .. أنت قاتل

نعم .. أنت قاتل

 

على مسافة من مدخل سوق الحميدية، كانت "سينما سوريا"، ولابد أنه أمر بالغ الدلالة، أن يحمل مكان سوري اسم سوريا وقد طفحت البلاد بالأسماء العابرة للمكان، أسماء من مثل:

 

ـ الوحدويون الاشتراكيون، القوميون العرب، الإخوان المسلمون، الطليعة الثورية، حزب البعث العربي الاشتراكي، التروتسكيون العرب، ولم يتبق من الأسماء التي تحمل اسم سوريا سوى اسمين:

 

ـ الحزب الشيوعي السوري، والحزب السوي القومي الاجتماعي.

 

الأول لم يكن سورياً، فالمأثرة المتداولة عنه أنه "كلما أمطرت في موسكو، يحمل أمينه العام المظلة"، أما القومي السوري الاجتماعي، فكانت راياته فضفاضة تتسع إلى الهلال الخصيب، كل الهلال الخصيب بنجمته قبرص، وبالنتيجة، لم يكن لسوريا بجغرافيتها الحالية، وبشرها الحاليون وأسواقها الحالية، مكاناً من بين الأسماء، دون نسيان أن دوائر النفوس اتسعت أسماء عديدة من بينها اسم "تركي وتركية"، و"فرنسا"، و"باريس"، ولو اتسع الخيال السوري لكان من الوارد إطلاق تسمية "تانزانيا" على مواليد العشوائيات ومراكز المدن، وأبناء الأرياف.

 

سينما سوريا تلك، كانت الأكثر تشدّداً قومياً من بقية الأحزاب والقوى والتيارات السياسية، لدرجة أنها تعرض ما بعد الظهيرة لرقصات شرقية، تؤديها راقصة بالغة السمنة، يقدّمها ولد يهتف باسم "البعث"، مؤكدًا على الرسالة الخالدة لحزبه، والتي تحتضن "الأمة العربية"، كل الأمة العربية، ليتلقى صدى كلماته عساكر فارون من ثكناتهم، يمارسون ملامسة جسد الرقاصة إياها مع قبلاتهم المتطايرة بالهواء، ثم يرمون بقبعاتهم فوق أسطحها، كل أسطحها، بما يجعلها امرأة تأخذ على عاتقها نقل الثكنة العسكرية إلى ستاج السينما، فيما صالة السينما لابد وتتسع  لبائعي "الأسكا"، وكذا بذور البطيخ.

 

مع سينما سوريا انتعش العساكر، ويوم ضاقت بهم سينما سوريا انتقلت الثكنات إلى جامعة دمشق، حاملة معها هزيمة 1967 التي اصطلح عليها بـ "النكسة"، فيما ذهب آخرون من مذيعي إذاعة صوت الشعب إلى اعتبارها "هزيمة عسكرية ونصر سياسي"، ومع الجامعة، صعد العسكر مقاعد المحاضرات الجامعية فيما استوطنت أكياس الرمل بوابات الجامعات، وبات أمرًا محببًا منح مرتبة الدكتوراه لعساكر من طراز رفعت الأسد، وبمرتبة الشرف، ومع رسائل الدكتوراه كانت طلقات كواتم الصوت تصطاد أساتذة الجامعات واحدًا وراء الآخر ومن بينهم كان محمد الفاضل، أستاذ القانون الدولي، وهو الرجل الذي وضعه تلامذته بمرتبة فقهاء القانون كالسنهوري وسواه ممن أعاروا احترامًا للقانون.. القانون الخارج عن طواعية حكم العسكر، ومن يومها، تعسكرت الجامعات، وتعرّبت، حتى بات اسم الكومبيوتر فيها "الحاسوب"، ولولا بعض الحياء لتحوّل اسم شكسبير فيها إلى "الشيخ بير"، في توطيد لهوية جماعية، مستمدة من الأديان الوعظية.. هوية عروبية لالبس فيها ولا غموض، ومع الهوية العربية التي "لالبس فيها ولا غموض"، تراشق بعثيو سوريا مع بعثيي العراق بكواتم الصوت والمفخخات، ومعهما حرب أزقة، نال جماعة الإخوان قسطاً وافراً منها، فيما ذهب الشيوعيون إلى واحد من مكانين:

 

ـ إما تحت سيف النظام، وإما تحت إبطه.

 

ومعها تحوّلت البلاد إلى سجن كبير.

 

سجن اللغة، وسجن الجسد، وسجن الفكرة، وسجن الابتكار، وسجن الهويات المتجاورة المتناحرة، تلك الهويات التي لم تعلن عن نفسها، ولم تتكاشف حتى بات السوري لا يعرف السوري، تحت وطأة الهوية الواحدة التي تعني ادماج أمة في أمة، وقوم بقوم، وقومية بقومية، ومذهب بمذهب، وهو الادماج القسري الملصوق بالغراء والذي سيتفجر لاحقًا على يد "الثوار" وقد انتقلنا معهم من سلطة الحزب الواحد، والقائد الخالد، إلى سلطات موزعة تعيد إنتاج السلطة الأولى بفارق أن للأولى جسدها الواضح الصريح، فيما للثانية أجساد موزعة، على أردية متنوعة، ما بين الإيراني / التركي / الأمريكاني / الروسي، أما السوري فلقد فقد ذاك الجلباب الذي ترتديه راقصة سينما سوريا ما بعد حفلة السواريه التي تحييها للجنود.

 

ـ واليوم؟

 

ربما ما من سوري إلاّ ويعرف ماضي سوريا، غير أنه ما من سوري يعرف مستقبل بلاده.

 

ـ إلى أين ستمضي في الجغرافيا؟

 

ـ إلى أين ستمضي في خياراتها بالسياسة؟

 

ـ إلى أين ستمضي باقتصادها؟

 

وما شكل الدولة فيها، فيما (الدولة) تشظّت إلى عصابات، أما معارضاتها فهي أكثر هولاً في الانقضاض على البلاد.

 

ـ انقضاض على مال الفساد.

 

ـ انقضاض على بوابات السفارات، دون أن يقيّض لهم قادة من مثل مانديلا الأب، أو جيفارا العاشق، أو حتى من مثل عيدي أمين الذي لم يعد يستطيب اللحم الحي تبعًا لملوحة أجساد الأموات.

 

وتاهت البلاد ثانية، بعد متاهتها الأولى، حتى بات السوري يمارس الأماني، لتكون ذروة أمانيه أن تعود سوريا إلى ما قبل التاريخ دون إمكانية لمقارنة عصر القردة بعصر الإنسان وقد انتصب مردداً النشيد الوطني.

 

هي ذي سوريا التي أزاحت يافطة "سينما سوريا"، لتحل محلها سينما أبو بكر البغدادي، وإلى جانبه صور تذكارية لقادة معارضات "ماركسيون" يلتقطون تحفهم مع فصائل "النصرة" في عفرين.

 

سوريا التي يخرج واحد من معارضاتها منددًا بحمل السلاح فيما لا يدّخر وسعًا للاتجار بالسلاح.

 

سوريا وقد انتقلت من كواتم الصوت وقد مارسه آل الأسد عبر تاريخ طويل، إلى كتم الصوت الذي تمارسه معارضات تتمتع باليقين.. يقين أنها على حق، وحين تكون على حق فلابد أن يكون كلام الروائية التركية أليف شفق صحيحًا:

 

ـ عندما تكون متيقّنًا من أنّك على حق، تصبح بسهولة قاتلاً.