دعوه ينتحر كما يشاء

دعوه ينتحر كما يشاء

 

أنا مش كافر بس الجوع كافر"، ومع ورقته تلك أرفق الرجل  شهادة عدلية بأنه لم يرتكب جناية ولا جنحة ولا سوابق له.. كان انتحاراً صريحاً على مرأى من شارع الحمراء ـ البيروتي المزدحم بالوجوه المعتادة والوجوه البديلة.

 

انتحار الرجل اللبناني تجاوز كل التفاصيل، فالاجتياح هو الاجتياح، ألم يذهب الشاعر اللبناني خليل حاوي إلى الانتحار في منفاه الأسترالي يوم اجتاحت إسرائيل لبنان؟

 

ـ ما الفارق؟

 

كل الفارق أن كليهما متساويان ومعهما يتساوى الاجتياح، وإلى جانبهما كانت احتفالات التاريخ أوسع من أن تتسع لجحافل المنتحرين.

 

ـ منتحرو السأم / الجوع / السؤال / بل منتحرو الترف.

 

ثمة منتحرون من ويلات الترف، فهذا مايكل جاكسون، أثرى الأموات على مرّ الثروات حتى قدرت ممتلكاته ما بعد موته بـ  2,4 مليار دولار، ما يعني أنه قادر على شراء خبز لبنان ولكنه انتحاراً بالغيبوبة وليس في لحظات الصحو.

 

يا للانتحار، أي سؤال ذاك الذي طرحه المعمّر عزمي موره لي، وقد ردّد بحضوري وحضور سرب من المذهولين:

 

ومجموعة مخابز شمس، ومصادرة طحين الشمال السوري.. انتحر صاحب الرقصة الشهيرة وقد رسم لعرقه الأسمر رقصات اجتاحت حتى القلوب البيضاء.. يا لها من أغنية بالغة العظمة تلك التي أسماها Beat It فتوجته ملك الروك، وانتهى منتحراً.. نعم من فرط المخدرات، ـ أنا مستأجر عند الله.. سأخلي بإرادتي.. لن أسمح له بأن يطردني بقرار قضائي.

 

مع ذلك تخطّى التسعين، ولم ينتحر، فكادت البيولوجيا أن تصرع رغباته.. رغبات من مثل (العشق)، وكذلك الموسيقى وكان يعزف كمن يسقط فوق هذا الكوكب بباراشوت ليستطلعنا باعتبارنا من عالم آخر.. عالم لا يشبه القصيدة ولا يقدّر لعنات البيولوجيا.

 

ـ ماذا نقول عن داليدا؟

 

كيف اغتال يوسف شاهين تلك المرأة، وقد أطلقها عجوزاً في فيلمه اليوم السادس.. فاستدركت تجاعيدها، واحتبس صوتها؟

 

كان على يوسف شاهين أن يصغي إلى تلك الفرس الشقراء، يصغي أكثر لـ "سلمى يا سلامة".. بل يصغي أكثر إلى "حلوة يا بلدي"، وكان عليها أن لا تصاب باليقين.. أن تنسى أنها بلغت السادسة والخمسين، وقد دحرجتها وقائع الحياة من جزيرة كالابريا الطليانية إلى شبرا المصرية، لتغني بتسع لغات.. أي إله هذا الذي خلق امرأة بتسع لغات، فيما العالم يلهث وراء وليمة أزياء فرزادتشي  أو وراء جلباب أبو بكر البغدادي أو ابتكارات هيفاء وهبي؟

 

مع كل انتحار، إشارات عن عالم يغرق إلى القاع، ذاك هو تاريخ الحضارات.. تاريخ الأمم.. وحده الانتحار يصلح ليكون "روزنامة" العالم، سيرته.. وحده عين التاريخ وأفضل من يكتبه.

 

كتبه أرنست همنغوي، وقد ظننا أن هيمنغوي الروائي، ليس همنغوي المحارب.. لا هو المحارب وقد خاض حرباً عالمية فأصيب وجرح وأتقن السلاح، كان جنديًا شجاعًا قتله الحب:" "لم أعد أحتمل.. إنها تلاحقني ليل نهار، في عينيها الجميلتين نظرة عتابٍ مروّعة.. لم تكن خائفةً مني، كم كنت نذلاً.. لكنني لم أكن أقصد يا (آجي)! أنتِ تعرفين أنني لم أكن أقصد".

 

كتب روايته الأخيرة بجملة واحدة تلك التي سبق وقرأتموها.. جملة تبدأ بـ "لم أعد أحتمل" وتنتهي بـ "لم اكن أقصد".

 

هو الحزن، وكان فان كوخ قد كتبه بكل تواضع المهزوم.. كانت آخر رسائله تقول:" إن الحزن سيبقى إلى الأبد"، وبعدها أخذ مسدساً وذهب الى حقل يقع بالقرب من باريس العاصمة وأطلق رصاصة على صدره .. مات فينسنت فان غوخ في الساعة الحادية والنصف صباح يوم 29 يوليو1890 عن 37 سنة.

 

أما عن الكنيسة وقد أحرقت بيادره فقد رفضت السماح بدفنه لأنه مات منتحراً.

 

الكنيسة رفضت حتى الصلاة عليه، هكذا حال المنتحرين من المسلمين، فـ " الله حرم قتل النفس لأن فيها كفراً بقضاء الله لان الله هو الذي يحدد ميعاد ولادة وميعاد وفاة كل شخص فبذلك يكون المنتحر وكأنه يريد تحديد ميعاد وفاته وهذا ليس من حق المخلوق ولكن من حق الخالق وحده". و " مَن تحسَّى سمّاً فقتل نفسه فسمُّه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً".

 

ـ أيّ حق تقرير مصير هذا؟

 

من حقك أن تُقتَل.. أن تُهان.. أن تجوع، وأن تسأم، وحين يكون الموت فعليك أن تموت بـ "هزّة من رأس الله"، وكأن الله لا يرى أنفاسنا الأخيرة وهي تُلفظ تحت وابل من الاغتراب.. الألم، ووجع الفقد إن شئت، أو وجع الخبز إن شئت، او وجع الزنازين التي تُحيطنا من كل ضلع في صدورنا.

 

ـ بعدها هل سيكون ذاك الرجل اللبناني كافراً وقد أطلق الرصاص على رأسه وسط ذهول المارين على حدود جسده؟ ألم يره الله وهو يغرق؟

 

ـ لقد اختلف الجنّازون على مصير جثة الرجل، وانقسموا بين من يكفّره، ومن يشفق عليه، ومن يستثمره في السياسة لإسقاط حكومة حزب الله وإعلاء شأن سعد الحريري، مع أنهما (حزب الله والحريري)، لكل منهما مواصفات الغراب، بعيون صمّاء وقلوب صمّاء، وبلد رسما له انهياراته.

 

محترفو الدين، حرّاس الله، ينذروننا بأن لا ننتحر:

 

ـ دعونا ننحركم.

 

ذلك ما يودون سماعه، فكل الحكاية أن عليك أن لا تقرر، لا الحياة ولا الموت، لا اللقمة ولا المائدة، وكان أحمد فؤاد نجم قد اختصرها بجملة ممنوعات، كان آخرها:

 

ـ وفـ كل يوم بحبك تزيد الممنوعات.

 

حب ماذا أيها الغبي؟

 

ـ حب الوطن الذي لم يحبك أبداً.

 

وبسبب من انشغالك الدائم، لن يكون لديك الفرصة في أن تخونه، مع أن خيانته واجبة، بل وفضيلة، كما الانتحار المشتهى، ربما على طريقة فرجينيا وولف، وقد أخذت طريقها في البحر ووضعت حجراً ثقيلاً في ملابسها، ولم تكتشف جثتها إلا بعد ثلاثة أيام، وكانت قد تركت لزوجها رسالة تقول فيها: "سأفعل ما أراه أفضل".

 

إنها فرجينا وولف، أبدع من كتبت عن الخيانة والشذوذ والانعزال والوحدة.. يا لها من رواية ساحرة كانت قد ختمت بها حياتها وقد تخلصت من فوضى الحياة التي تسكنها.

 

الرجل اللبناني انتحر.. دعوه يرسم موته كما يشاء بعد أن رسمتم حياته كما تشاؤون.. بالسمّ كما فعل سقراط.. بالرصاص كما فعلت ناديجدا أيلوييفا زوجة ستالين وقد سئمت كثافة شاربي زوجها وصلافته، بحزام بنطاله كما فعل روبن ويليامز وقد حطّم عظامنا بروعته.. دعوه ينتحر بكيس النايلون، لا فرق، المهم دعوه ينتحر، وابقوا على قيد الحياة، من اجل العروبة ابقوا على قيد الحياة، من اجل كل ما لا يصلح مكباً للنفايات ابقوا على قيد الحياة، ولكن:

 

ـ توقعوا كل ما لا يمكن توقعه.

 

توقعوا زوال المدن بين صرخات الأسى..

 

تلك هي النبوءة في سفر أشعيا، مال كثير، لتغطية البساطير القليلة، ومن بعدها انتحار الكوكب.

 

أعرف أن "أشعيا"، لا يزيد عن ثرثار يحكي لبشر بالغي الصمم.. أعرف ذلك وأعرف أنه ونبوءته لا يصلح حتى أن يكون علفاً للحيوان، وأكثر من هذا وذاك، أعرف أننا:

 

ـ سندخل الجحيم مطأطئي الرؤوس كما شاءت لنا أسطورته.