الأزمة الليبية ومصير مشروع أردوغان

الأزمة الليبية ومصير مشروع أردوغان

خورشيد دلي

 

يسابق الجيش الوطني الليبي بزعامة اللواء خليفة حفتر الزمن لتحرير العاصمة طرابلس من الجماعات المسلحة التي تمثلها حكومة الوفاق بزعامة فايز السراج، وبالتزامن يسابق أردوغان الزمن لإرسال قوات تركية وأخرى من "المرتزقة" للإعلان رسميا عن التدخل العسكري التركي في ليبيا، حيث كبرت أطماعه والتي باتت تتجاوز الطاقة في المتوسط إلى السيطرة على ليبيا وإعلانها أول ولاية عثمانية جديدة، وهو ما يعني محاصرة مصر والتغلغل في أفريقيا التي لدولها حدود هشة ومفتوحة وقابلة للخرق، حيث الجماعات الإسلامية القابلة للتحول إلى أداة طيِّعة في مشروع أردوغان.

 

وأمام الخطر التركي هذا، استنفرت مصر وزادت من دعمها للجيش الوطني الليبي كما هو حال الإمارات العربية المتحدة والسعودية، نظرا للخطر التركي الذي يطال الجميع، فيما الموقف العربي الرسمي وتحديدا جامعة الدول العربية ما زال ضعيفا ولا يرتقي إلى مستوى هذا الخطر الداهم، في حين دخل أردوغان على خط محاولة كسب تأييد الدول المجاورة لليبيا ولاسيما تونس والجزائر فضلا عن المغرب، سعياً منه إلى كسب مواقع جيوسياسية إذا تحولت الأزمة في ليبيا إلى حرب إقليمية، وفي الداخل أمر أردوغان حزب العدالة والتنمية الحاكم بتقديم موعد التصويت في البرلمان على مشروع قرار لإرسال قوات تركية إلى ليبيا بعد أن أحسَّ بإمكانية حسم قوات الجيش الوطني الليبي معركة طرابلس عسكريا، وقطع الطريق أمام مشروعه عقب التوقيع على اتفاقية أردوغان – السراج بشأن التعاون العسكري والطاقة في المتوسط.

 

وبموازاة هذه التطورات، ثمة اصطفافات تجري على الضفة الأخرى في المتوسط، فاليونان دخلت في حالة استنفار قصوى في المتوسط، وباتت تنسق مع مصر في المتوسط وليبيا استعدادا للمواجهة مع تركيا، كما برزت مواقف أوروبية تدعو إلى الوحدة في مواجهة الأطماع التركية، وقد تجلى هذا الأمر في الموقف الإيطالي الذي كان يدعم حكومة الوفاق في السابق قبل أن تتحول عنه وتدعو إلى وقف المساعي التركية، وعلى غرار إيطاليا بدأ التناقض سيد الموقف بين تركيا وروسيا في ليبيا، إذ كان لافتا حديث أردوغان أنه لن يصمت عن دعم جماعة "فاغنر" الروسية للجيش الوطني الليبي لترد روسيا بحملة انتقادات علنية للتدخل العسكري التركي في ليبيا، وهو ما انعكس شدا وجذبا بين الجانبين في إدلب السورية، ولاسيما في ظل تزويد تركيا للجماعات المسلحة في إدلب بصواريخ "التاو" والتي من شأنها التأثير على معركة إدلب التي يسعى النظام والروس للسيطرة على محور استراتيجي يمتد من معرة النعمان إلى سراقب في محاولة لحسم معركة السيطرة على جانبي الطريق الدولي من حلب إلى العاصمة دمشق. فيما الموقف الصامت لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل مما يجري في المتوسط وليبيا يثير استفهامات كثيرة. 

 

في الواقع، سعي أردوغان للسيطرة على ليبيا خلق ما يشبه جبهة عالمية رافضة للمشروع الأردوغاني الذي يقوم على إحياء الإمبراطورية العثمانية البائدة، وهو مشروع يقوم على الأوهام والطموحات الجامحة ويفتقر إلى المقومات الواقعية القائمة على المنطق والعقل والإمكانات الحقيقية والقانون الدولي، وعليه ثمة من يرى أن المشروع الأردوغاني في ليبيا لن يكون سوى مستنقعا له هربا من مشكلاته وأزماته الداخلية التي تحل بهكذا أسلوب، بعد أن تعرض في الداخل إلى هزيمة كبيرة في الانتخابات البلدية وتعرض حزبه إلى انشقاقات قاتلة، تمثلت في خروج كبار قادته من الحزب من أمثال أحمد داود أوغلو وعلي باباجان وغيرهم من الحزب وتأسيس أحزاب جديدة ستكون لها تداعيات كبيرة على حزب العدالة والتنمية وقدرته على التحكم بالمشهد السياسي التركي في المرحلة المقبلة.

 

لقد كان عام 2019 عاما للصدام التركي مع العالم، وعاما لبروز النزعة العدوانية التركية التي تمثلت في احتلال المنطقة الواقعة بين مدينتي رأس العين/ سري كانيه وتل أبيض /كري سبي واليوم ما يجري في ليبيا، وهي النزعة الأكثر تجسيدا لدى أردوغان وحلمه العثماني، وهو بهذا الحلم الاستعماري يدخل العام 2020 ليضع تركيا في مواجهة مع العالم، وليكون السؤال عن مستقبل الأردوغانية ومصيرها.

فهل سيكون العام الجديد نهاية الحلم الأردوغاني وتعود تركيا إلى نفسها وجوارها برؤية جديدة تقوم على السلم بدلاً من الحروب؟.