“قسد”.. من التأسيس ومواجهة “داعش” إلى الاندماج وحلّ القوة العسكرية

القامشلي – نورث برس

على مدى أكثر من عقد، انتقلت قوات سوريا الديمقراطية “قسد” من تحالف عسكري محلي متعدد المكونات تأسس في خريف عام 2015، إلى قوة برية رئيسية في الحرب على تنظيم “داعش” بدعم مباشر من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، قبل أن تنتهي في أغسطس/ آب 2026 صفتها كقوة عسكرية مستقلة، إثر استكمال دمج مؤسساتها وتشكيلاتها في مؤسسات الدولة السورية، ثم الإعلان رسمياً عن حلها.

التأسيس.. تحالف متعدد المكونات بقيادة كردية

أُعلن تأسيس “قسد” في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 في منطقة ديريك بمحافظة الحسكة، بوصفها تحالفاً يضم قوى كردية وعربية وسريانية وآشورية وتركمانية. وقدمت نفسها منذ بيانها التأسيسي باعتبارها “قوة عسكرية وطنية موحدة لكل السوريين”، غير أن مركز الثقل العسكري والتنظيمي بقي لدى وحدات حماية الشعب “YPG” ووحدات حماية المرأة “YPJ” الكرديتين.

جاء تأسيس التحالف في سياق عسكري وسياسي اتسم باتساع نفوذ تنظيم “داعش” في شمال وشرق سوريا، ولا سيما بعد معركة كوباني عام 2014. وكانت وحدات الحماية قد نسجت، إلى جانب فصائل عربية من الجيش السوري الحر، تعاوناً ضمن غرفة عمليات “بركان الفرات”، في وقت أدى التدخل الجوي الأميركي في معركة كوباني إلى تعزيز العلاقة بين واشنطن والقوى المحلية المناهضة لـ “داعش”.

ومع تزايد الحاجة الأميركية إلى شريك بري محلي يتجاوز الإطار الكردي وحده، اتجهت واشنطن إلى دعم إطار أوسع متعدد المكونات. وأسهم هذا الشكل أيضاً في تخفيف كلفة الارتباط الأميركي العلني بوحدات الحماية، في ظل اعتراض تركيا على تلك الوحدات.

مَن شكّل قسد؟

تكوّنت قسد من نواة كردية منظمة، إلى جانب فصائل ومجالس عسكرية محلية ذات غالبية عربية في مناطق الرقة ودير الزور ومنبج والطبقة، فضلاً عن تشكيلات سريانية/ آشورية ووحدات أصغر من التركمان والأرمن وغيرهم.

وكانت وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة القوة الأكثر تماسكاً وتنظيماً وخبرة، وشكلتا العمود الفقري للقيادة والقدرات العسكرية. وانضمت إليهما تشكيلات أخرى، بينها المجلس العسكري السرياني، وقوات الصناديد المرتبطة بقبيلة شمر، وفصائل عربية التحقت بالتحالف منذ تأسيسه أو توسعت مشاركتها لاحقاً.

كما تشكلت مجالس عسكرية مناطقية في منبج والطبقة والرقة ودير الزور وكوباني، ضمت مقاتلين محليين وارتبطت بالعمليات الرامية إلى انتزاع المناطق من “داعش”.

أما “الأسايش”، فكانت جهازاً للأمن الداخلي منفصلاً وظيفياً عن الوحدات القتالية، لكنه ارتبط بالبنية الأمنية للإدارة الذاتية في المناطق الخاضعة لنفوذ قسد.

وبذلك لم تكن قوة قسد قائمة على التفوق العددي وحده، وإنما على تماسك وحدات الحماية وانضباطها وتسلسلها القيادي وخبرتها القتالية، إلى جانب قدرتها على التنسيق مع التحالف الدولي.

وقدّر البنتاغون في مارس/ آذار 2017 نسبة العرب بنحو 60% مقابل 40% للكرد.

الحرب على “داعش”.. من كوباني إلى الباغوز

ارتبط صعود قسد العسكري بصورة مباشرة بالحرب على “داعش”، ويمكن تقسيم هذه المرحلة إلى محطات رئيسية بدأت عملياً قبل تأسيسها الرسمي.

وكانت معركة كوباني عامي 2014 و2015 نقطة الانطلاق الفعلية للعلاقة بين التحالف الدولي ووحدات حماية الشعب والمرأة، اللتين أصبحتا لاحقاً نواة “قسد”.

وبدأ الدعم الأميركي أساساً بالضربات الجوية ضد مواقع “داعش”، ثم تطور إلى إسقاط جوي لإمدادات عسكرية وذخائر في أكتوبر/ تشرين الأول 2014. وأسهم ذلك في إضعاف قدرة التنظيم على حشد قواته وأسلحته، ومنح القوات المحلية فرصة الانتقال من الدفاع إلى استعادة مناطق محيطة بالمدينة.

وبعد تجربة كوباني، برزت الحاجة إلى إطار أوسع يضم تشكيلات عربية وسريانية، وصولاً إلى إعلان قسد في أكتوبر/تشرين الأول 2015. ومنذ ذلك الوقت توسع الدعم الأميركي من الغطاء الجوي إلى التدريب والتخطيط والتعاون الميداني.

وخلال عامي 2015 و2016، خاضت “قسد” عمليات ضد “داعش” في ريف الحسكة وتل أبيض ومحيط سد تشرين، مستفيدة من الغارات الجوية والاستطلاع والدعم الاستخباري الذي وفره التحالف.

وكانت السيطرة على تل أبيض ذات أهمية استراتيجية، لأنها قطعت أحد خطوط الاتصال والإمداد التابعة لـ “داعش” على امتداد الحدود، وربطت مناطق الجزيرة وكوباني الواقعة آنذاك ضمن نفوذ الإدارة الكردية.

وفي معركة سد تشرين أواخر عام 2015، ساعد التحالف في تأمين التقدم لعبور الفرات والسيطرة على محيط السد وطرق الإمداد، عبر الاستطلاع وضرب الأهداف الثابتة والمتحركة، بينما تولت القوات المحلية الاقتحام والتمشيط والسيطرة على الأرض. ومهدت هذه المرحلة للتقدم نحو منبج والطبقة والرقة.

وفي صيف 2016، أصبحت منبج إحدى أهم المحطات في العمليات ضد “داعش”، نظراً إلى موقعها كعقدة عبور بين الرقة والحدود التركية، وممر للمقاتلين والإمداد والتهريب.

وبدأ الهجوم في يونيو/ حزيران بقيادة مجلس منبج العسكري والقوى العربية المنضوية في قسد، مع مشاركة أوسع لقسد في الحصار والقتال.

وقدم التحالف دعماً جوياً مكثفاً؛ إذ نفذ في المراحل الأولى أكثر من 105 ضربات، استهدفت مواقع قتالية ومركبات وأسلحة ثقيلة ومخازن أسلحة وسيارات مفخخة. وبحلول مطلع أغسطس/آب، قال التحالف إنه نفذ 602 ضربة دعماً للعملية.

لكن الدور لم يقتصر على القصف، إذ ساعد الدعم الجوي والاستخباراتي في عزل المدينة وتأمين تقدم القوات، ثم دعم عمليات إزالة الألغام والعبوات وإنشاء مواقع دفاعية لمنع هجمات داعش المضادة.

وقبل اقتحام الرقة، ركزت قسد والتحالف على عزل المدينة عن خطوط إمداد “داعش”، ولا سيما الطرق المؤدية إلى دير الزور ومحيط بحيرة الأسد.

وساعد الاستطلاع والقصف الجوي في استهداف دفاعات التنظيم وتسهيل العمليات في الريف، فيما أسهم المستشارون العسكريون في التخطيط والتنسيق.

وفي الطبقة وسد الفرات، استهدفت الضربات مواقع “داعش” وتحصيناته التي كانت تهدد القوات المتقدمة.

وفي 6 يونيو/حزيران 2017، بدأت “قسد” الهجوم داخل مدينة الرقة. وقدم التحالف غطاء جوياً وإسناداً مدفعياً ومشورة وتخطيطاً واستخبارات.

وتولت “قسد” القتال البري والاقتحام والتمشيط ومسك الأرض، فيما ركز التحالف على استهداف القناصة والتحصينات والمقرات ومواقع الهاون والعربات المفخخة.

وخلال اليوم الثالث والخمسين من العملية، كانت قسد قد سيطرت على نحو 45% من مساحة المدينة بحسب المتحدث باسم التحالف، قبل إعلان تحرير الرقة في 20 أكتوبر/ تشرين الأول 2017، في ضربة كبيرة لتنظيم “داعش” الذي كان يعتبر المدينة “عاصمة” لمشروعه في سوريا.

دير الزور والباغوز.. المعركة الأخيرة

انتقلت العمليات بعد الرقة إلى وادي الفرات الشرقي، حيث واجهت “قسد” “داعش” في بلدات وقرى محافظة دير الزور، ثم في الجيب الأخير بين هجين والباغوز قرب الحدود العراقية.

وخلال هذه المرحلة قدم التحالف المعدات والتدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي والنيران الدقيقة والمشورة. وفي عملية “الجولة/الحصار” دعمت طائرات التحالف ومدفعيته تقدم “قسد” في ريف دير الزور، واستهدفت الأنفاق والتحصينات والمواقع القتالية، فيما تولت القوات البرية القتال المباشر والسيطرة على البلدات.

ومنذ أغسطس/ آب 2018، دعمت ضربات جوية ومدفعية الهجوم على ما تبقى من “داعش” في هجين وريف دير الزور الشرقي وصولاً إلى الحدود السورية العراقية.

وفي فبراير/ شباط 2019 بدأت المعركة النهائية على جيب الباغوز. كانت المواجهات معقدة بسبب الأنفاق والعبوات الناسفة والانتحاريين واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، بالتزامن مع خروج موجات من النازحين والمقاتلين وعائلاتهم من الجيب.

وفي 23 مارس/ آذار 2019 أعلنت قسد إنهاء السيطرة الجغرافية لـ “داعش” في سوريا بعد سقوط الباغوز. إلا أن ذلك مثّل نهاية السيطرة الجغرافية للتنظيم، وليس نهايته كتنظيم مسلح، إذ انتقل إلى نمط الخلايا والتمرد والهجمات والاغتيالات والعبوات ومحاولات استهداف السجون.

وبعد عام 2019 تغيرت طبيعة الشراكة بين “قسد” والتحالف. فبدلاً من الحملات الواسعة لتحرير المدن والبلدات، تركز التعاون على مكافحة تمرد “داعش” ومنع عودة التنظيم.

وشمل الدعم الأميركي تدريب عناصر “قسد”، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والمرافقة في مداهمات تستهدف الخلايا والقيادات وشبكات التمويل والتسليح. وفي دير الزور والحسكة، رافقت قوات التحالف عناصر من قوات الكوماندوس التابعة لـ “قسد” في مداهمات أمنية متكررة.

كما استمرت الشراكة في حماية منشآت حساسة في المنطقة من خطر عودة التنظيم، وفي ملاحقة شبكات التهريب والتمويل والتجنيد، إضافة إلى إدارة ملفات مخيم الهول والسجون التي تضم عناصر من داعش.

وبصورة عامة، تمثل دور “قسد” في القوة البرية والحصار والاقتحام والقتال داخل المدن والتمشيط ومسك الأرض والاعتقالات وإدارة الأمن المحلي، بينما تولى التحالف الغارات والاستطلاع والنيران المدفعية في بعض الجبهات والتدريب والتسليح والدعم اللوجستي والطبي والاستشارات والاستخبارات وتحديد الأهداف والمرافقة المحدودة في بعض العمليات.

وأنتجت هذه الشراكة قدرة على خوض حملة عسكرية متصلة من منبج والرقة إلى وادي الفرات والباغوز.

من القوة العسكرية إلى التسوية مع دمشق

بعد سنوات من الإدارة العسكرية والأمنية في شمال وشرق سوريا، دخلت علاقة “قسد” بالدولة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع مساراً جديداً مع اتفاق 10 مارس/ آذار 2025، الموقع في دمشق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد الجنرال مظلوم عبدي.

وضع الاتفاق إطاراً سياسياً عاماً لتنظيم العلاقة بين شمال شرقي سوريا والدولة، وحدد نهاية عام 2025 سقفاً زمنياً لعمل اللجان التنفيذية.

وتضمن الاتفاق ضمان تمثيل السوريين والمشاركة في العملية السياسية ومؤسسات الدولة، والإقرار بالكرد مكوناً أصيلاً في سوريا وضمان حقوقه، ووقف إطلاق النار، ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، بما في ذلك المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، وضمان عودة المهجرين، ودعم الدولة في مواجهة فلول النظام السابق والتهديدات التي تستهدف أمن سوريا ووحدتها، إلى جانب رفض التقسيم وخطاب الكراهية والفتنة.

لكن تنفيذ الاتفاق واجه تعثراً أولياً بسبب الخلافات حول آلية الدمج، وشكل البنية العسكرية الجديدة، وصلاحيات الإدارة المحلية وترتيبات النفط والحدود. وأشارت تقارير مطلع 2026 إلى أن لقاءات دمشق لم تكن قد حققت في ذلك الوقت تقدماً ملموساً في تسريع التنفيذ.

اتفاق يناير 2026

في 29 يناير/ كانون الثاني 2026، جرى التوصل إلى اتفاق أكثر تفصيلاً، جاء بعد توتر ميداني وتفاهم على وقف إطلاق النار والدمج المتدرج.

وتضمن الاتفاق وقف إطلاق نار دائم، وانسحاب القوات من نقاط الاحتكاك، ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وتسلم الدولة المؤسسات المدنية والحكومية والمعابر والمنافذ، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية مع تثبيت الموظفين المدنيين، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية للكرد وضمان عودة النازحين.

وعسكرياً، نص الاتفاق على تشكيل ألوية من “قسد”، إضافة إلى لواء لقوات عين العرب/كوباني ضمن فرقة تتبع لمحافظة حلب، بما يعكس الانتقال من بنية قسد المستقلة إلى هيكل القيادة الرسمي للدولة السورية.

أغسطس 2026.. اكتمال الدمج ثم إعلان الحل

دخل مسار إنهاء البنية المستقلة لـ “قسد” مرحلته الأخيرة في أغسطس/ آب 2026.

وفي 20 أغسطس، أعلن الجنرال مظلوم عبدي اكتمال مرحلة دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لـ “قسد” في مؤسسات الدولة السورية، مقدماً ذلك باعتباره نهاية لمرحلة الدمج وبداية مرحلة جديدة تركز، وفق ما نقل عنه، على تثبيت حقوق الكرد في الدستور والالتزام بالقوانين السورية.

وبعد خمسة أيام، في 25 أغسطس/ آب، أعلن عبدي من القصر الرئاسي في دمشق انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلها كقوة عسكرية مستقلة.

وشمل الإعلان حل الإدارة الذاتية والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها واندماجها في مؤسسات الدولة. وبذلك أصبح من الضروري التمييز بين إعلان 20 أغسطس الذي تحدث عن اكتمال عملية الدمج، وإعلان 25 أغسطس الذي منح العملية صفتها السياسية والتنظيمية النهائية عبر إنهاء “قسد” كتنظيم عسكري مستقل.

ماذا عن قيادات قسد؟

تحدثت مصادر عن تولي مظلوم عبدي منصب مستشار في الدولة السورية وإلهام أحمد في مجلس الشعب السوري ولكن لم يصدر أي مرسوم أو إعلان رسمي نهائي يحدد منصبيهما داخل الدولة السورية، مع تحديد الصلاحيات والمهام.

وبالتالي، فإن إنهاء “قسد” كقوة عسكرية مستقلة لا يعني، وفق المعلومات المتاحة، أن جميع شخصياتها القيادية اختفت من المشهد، وإنما يشير إلى انتقال البنية العسكرية والمؤسساتية التي كانت تعمل تحت مظلتها إلى إطار الدولة السورية.

تحرير: عكيد مشمش