مكب نفايات القامشلي.. كارثة بيئية تهدد سكان قرية شرقي المدينة
نالين علي ـ القامشلي
تضع فاطمة محمد وشاحاً حول أنفها كلما خرجت إلى حوش منزلها في قرية كري رش (تل أسود) شرقي مدينة القامشلي. لم يعد الخروج إلى الفناء مساحة للراحة كما كان سابقاً، بل أصبح مواجهة يومية مع روائح النفايات والدخان المنبعث من المكب القريب.
تقول فاطمة، وهي من سكان القرية، لنورث برس، إن وجود المكب إلى جانب منزلها جعل حياتها مختلفة عن السابق، فالنفايات لا تبقى داخل حدود المكب فقط، بل تصل أحياناً إلى محيط المنزل، تاركة خلفها الأوساخ والروائح التي يصعب احتمالها.
حياة وسط التلوث
وداخل المنزل، تحاول العائلة تجنب الروائح قدر الإمكان، فتغلق النوافذ وتقضي معظم وقتها في الغرف. وحتى تشغيل المكيف، الذي يفترض أن يخفف من حرارة الصيف، أصبح سبباً في دخول الروائح إلى الداخل، بحسب فاطمة.
وتحمل الأم مخاوف إضافية على أطفالها، إذ تشير إلى تكرار إصابتهم بالأمراض، وترى أن الروائح الناتجة عن تراكم النفايات وتحللها باتت تؤثر على صحة السكان، في وقت يزداد فيه القلق مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف.
ولا تتوقف معاناة سكان القرية عند الروائح فقط، فالمكب، بحسب السكان، أصبح مصدراً لانتشار الحشرات والحيوانات مثل العقارب والديدان والذباب، إضافة إلى الدخان الذي يملأ المنطقة في الأيام التي تُحرق فيها النفايات.
بالنسبة لعباس حمندي، أحد سكان القرية، لم يعد الأمر مجرد إزعاج يومي، بل تحول إلى مشكلة تهدد حياتهم. منزله لا يبعد سوى نحو 50 متراً عن المكب، ما يجعل تأثير الروائح والدخان أكثر حضوراً في تفاصيل يومه.
يرى حمندي في تصريحات لنورث برس، أن السكان يعيشون منذ أكثر من عامين وسط ظروف صعبة، في ظل دخول عشرات سيارات نقل النفايات يومياً إلى الموقع، دون وجود حل ينهي معاناتهم أو يبعد الخطر عن المنازل.
محاولات السكان لم تتوقف، فقد تقدموا بشكاوى وعرائض للجهات المعنية، كما حاولوا الاعتراض على استمرار استخدام الموقع، لكنهم يقولون إن واقع الحال لم يتغير.
أما محسن عباس، فيصف تأثير المكب على حياة عائلته بأنه تجاوز حدود الاحتمال، إذ أصبحت مصاريف علاج أطفاله عبئاً إضافياً، وسط اعتقاده بأن التلوث والدخان الناتجين عن المكب سبب رئيسي في تدهور وضعهم الصحي.
ويعيد محمود حمندي تاريخ المكان إلى ما قبل تحوله إلى مكب للنفايات، موضحاً أن الموقع كان في السابق حفرة كبيرة، قبل أن يصبح نقطة لتجميع نفايات مدينة القامشلي، الأمر الذي أدى اليوم إلى تفاقم المشكلة بالنسبة لسكان القرية.
“طفح الكيل”، يقول حمندي، مطالباً بإيجاد حل سريع ونقل المكب إلى مكان بعيد عن السكان، بعد أن أصبح وجوده مصدر قلق دائم للسكان، وخاصة الأطفال.
حل مؤقت للمكب
في المقابل، تقول إدارة مكب النفايات في بلدية القامشلي، على لسان سردار حسين، لنورث برس، إن استخدام موقع “كري رش” جاء كحل مؤقت بعد تعذر الوصول إلى مكب الهول، مشيراً إلى استمرار البحث عن موقع بديل مخصص للنفايات.
ويشير حسين إلى أن حجم النفايات الناتجة عن مدينة القامشلي، والذي يتراوح بين 300 و350 طناً يومياً، يجعل عملية إيجاد موقع مناسب أمراً ضرورياً لتسهيل عمليات الجمع والترحيل، مؤكداً وجود صعوبات مرتبطة بتخصيص أرض جديدة لهذا الغرض.
وبين مطالب السكان بنقل المكب، ومحاولات البلدية إيجاد بديل، يبقى أهالي كري رش في انتظار حل يخفف عنهم روائح النفايات ودخانها، ويعيد إلى منازلهم حقهم في التنفس بعيداً عن التلوث.