بعد سنوات من الانقطاع والتجاذبات.. علوك تبدأ ضخ المياه مجدداً إلى الحسكة وريفها
الحسكة – نورث برس
أعلنت مديرية إعلام الحسكة، اليوم الأربعاء، دخول محطة علوك رسمياً إلى الخدمة وبدء تغذية مدينة الحسكة وريفها بالمياه، عقب استكمال أعمال التأهيل والصيانة التي أعادت تشغيل المحطة بعد توقف استمر نحو سبع سنوات.
وجرى افتتاح المحطة بحضور وزير الطاقة محمد البشير، ومحافظ الحسكة نور الدين أحمد، إلى جانب أعضاء الوفد الرئاسي، ومدير مياه محافظة الحسكة، وعدد من أعضاء مجلس الشعب الممثلين للمحافظة.
وبحسب الإعلان الرسمي، ستعمل المحطة في مرحلتها الأولى عبر تشغيل 19 بئراً من أصل 34 بئراً، بهدف تأمين مياه الشرب لمدينة الحسكة وريفها، إضافة إلى ناحية الهول، على أن تستكمل إعادة تأهيل بقية الآبار تدريجيًا ضمن مراحل لاحقة.
وتُعد محطة علوك، الواقعة في منطقة رأس العين/سري كانيه، المصدر الأهم لمياه الشرب في محافظة الحسكة، إذ تغذي مدينة الحسكة وريفها، إضافة إلى تل تمر ومنطقة الهول، وتخدم نحو 500 ألف نسمة وفق البيانات الرسمية السورية.
لكن المحطة لم تكن خلال السنوات الماضية مجرد منشأة خدمية، إذ تحولت إلى أحد أبرز الملفات المرتبطة بالصراع في شمال شرق سوريا، بسبب موقعها الجغرافي وحساسيتها الأمنية، لتصبح ورقة ضغط وتفاوض بين الأطراف المسيطرة على الأرض.
من منشأة مياه إلى ملف نزاع
بدأت أزمة محطة علوك مع تصاعد التوترات العسكرية والخدمية في المنطقة، حيث ربطت منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة” بداية التوقف الكامل للمحطة بالتطورات التي أعقبت عملية “نبع السلام”، مشيرة إلى أن إيقافها جاء بعد قطع الكهرباء عن مناطق العملية في 13 آب/أغسطس 2020، قبل أن تتحول عملية إعادة تشغيلها إلى سلسلة متكررة من الانقطاعات والتشغيل المؤقت.
وخلال السنوات الماضية، شهدت الحسكة وريفها موجات متكررة من انقطاع المياه نتيجة توقفات فنية وأمنية وسياسية مرتبطة بالمحطة، ما جعل السكان يعتمدون بشكل متزايد على مصادر بديلة، أبرزها الصهاريج ومحطات التحلية المحلية.
سبع سنوات من التوقفات المتكررة
مرت محطة علوك خلال فترة الأزمة بعدة مراحل متعاقبة، بدأت بالتوقف الكامل، ثم التشغيل الجزئي، ثم عودة مؤقتة للمياه، قبل أن تتجدد الانقطاعات مرة أخرى.
وتُظهر أرشيفات وكالة الأنباء السورية “سانا” سلسلة من الإعلانات المرتبطة بالمحطة، تضمنت “إيقاف الضخ”، و”بدء الضخ من جديد”، و”استمرار الانقطاع لأيام طويلة”، ما عكس عدم استقرار تشغيلها رغم محاولات استعادتها.
وفي مراحل متعددة، لجأت الجهات المحلية إلى تشغيل محطات تحلية بديلة داخل مدينة الحسكة للتخفيف من آثار توقف علوك على السكان.
تحذيرات أممية من تداعيات توقف المحطة
أولت الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية اهتماماً واسعاً بملف محطة علوك بسبب اعتماد أعداد كبيرة من السكان والنازحين عليها.
وفي آذار/مارس 2020، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة اليونيسف إن محطة علوك كانت المصدر الرئيسي للمياه لنحو 460 ألف شخص في الحسكة وتل تمر ومخيمي العريشة والهول، محذرة من أن تعطيلها قد يؤدي إلى مخاطر صحية متزايدة على السكان.
وفي تموز/يوليو 2021، دعت الأمم المتحدة إلى استئناف خدمات المياه والكهرباء وضمان وصول المدنيين إلى المياه والصرف الصحي، مشيرة إلى أن الانقطاعات الحادة في المحطة عرّضت نحو مليون شخص للخطر.
وأوضح بيان أممي حينها أن المحطة تعطلت منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2019 ما لا يقل عن 24 مرة، وأن توقفها الكامل منذ 23 حزيران/يونيو 2021 ارتبط أيضاً بصعوبات وصول الفرق الفنية ونقص التغذية الكهربائية.
محاولات سابقة لم تصل إلى حل دائم
شهدت السنوات الماضية محاولات متعددة لإعادة تشغيل المحطة، إلا أن معظمها لم يتحول إلى تشغيل مستقر.
ففي أيلول/سبتمبر 2024، تحدثت تقارير عن توافق دولي لإعادة تشغيل علوك، تزامن مع زيارة وفد من اليونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر برفقة جهات ميدانية وفنية، لكن تلك الجهود لم تؤدِ إلى حل مستدام بسبب استمرار التعقيدات الأمنية والسياسية.
وفي حزيران/يونيو 2025، زار وفد من الأمم المتحدة والهلال الأحمر السوري المحطة لتقييم وضعها الفني وإمكانية إعادة تشغيلها، إلا أن الزيارة بقيت ضمن إطار التقييم والتحضير، في ظل استمرار العقبات الميدانية.
وارتبط تعثر إعادة تشغيل محطة علوك بثلاثة ملفات رئيسية: “السيطرة الميدانية على المحطة ومحيطها، وما رافق ذلك من صعوبات في الوصول الفني الآمن. تأمين الكهرباء اللازمة للتشغيل، باعتبار المحطة تعتمد على منظومة طاقة مستقرة. سلامة خطوط الجر والبنية التحتية، التي تعرضت لأضرار وتعديات أثرت على انتظام الضخ”.
كما واجهت الجهات الأممية والفنية في كل مرحلة الحاجة إلى ترتيبات وصول وتفاهمات سياسية وأمنية معقدة، ما جعل معظم عمليات التشغيل السابقة مؤقتة أو جزئية.
المسار الأخير نحو إعادة التشغيل
شهد عام 2026 تحركات جديدة لإعادة تشغيل المحطة، ركزت على إعادة تقييم وضعها الفني وتأمين محيطها ومعالجة الأضرار في البنية التحتية.
وفي 7 نيسان/أبريل 2026، أعلنت وزارة الطاقة السورية تسلم محطة علوك وبدء أعمال التقييم تمهيدًا لإعادة تشغيلها، بحضور جهات حكومية ومحلية مرتبطة بمتابعة اتفاق 29 كانون الثاني.
وفي 30 حزيران/يونيو 2026، أعلن نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي أن اجتماعًا مشتركًا مع اللجنة الوزارية والشركة العامة للمياه ناقش واقع المحطة وأسباب تأخر استئناف الضخ، مشيرًا إلى أن إزالة الألغام والتعديات على خط الجر كانت من أبرز الإجراءات الجارية قبل بدء الضخ التجريبي.
وفي 15 تموز/يوليو 2026، أعلنت وزارة الطاقة بدء الضخ التجريبي بعد استكمال أعمال صيانة وتأهيل استمرت تسعة أشهر بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مع استمرار التعاون مع اليونيسف بهدف الوصول إلى الطاقة التشغيلية الكاملة.
كما تضمنت الإجراءات تجهيز محطة كهرباء نقالة في الدرباسية لضمان تأمين التغذية الكهربائية للمحطة، ما عكس أن التحديات لم تكن فنية فقط، بل امتدت إلى الجوانب اللوجستية والأمنية.