شابة من القامشلي تصنع الجمال من صلابة الحديد

نالين علي القامشلي

في زاوية صغيرة من منزلها بمدينة القامشلي، تضيء ليلان مصباحاً صغيراً فوق طاولتها المليئة بقطع الأسلاك المعدنية. تمسك إحدى تلك الأسلاك بين أصابعها برفق، ثم تثنيها وتلفها وكأنها تخاطبها بلغة لا يفهمها سواها. تمضي ساعات طويلة في هذا الطقس الفني الهادئ، لتخرج في النهاية مجسماً ينبض بما يختلج في داخلها من خيال ومشاعر. هكذا تصنع ليلان جمعة (25 عاماً) فناً فريداً لم تألفه منطقتها من قبل، مستوحية من خيوط الحديد قصصاً تنبض بالحياة.

ليلان، الشابة من شمال شرق سوريا، اختارت أن تشق طريقها الخاص بعيداً عن المألوف، فبدأت قبل عامٍ ونصف مشروعها الذي تحوّل اليوم إلى بصمة فنية في القامشلي.

تقول بابتسامة يغمرها الفخر لنورث برس: “اخترت طريقة فن مميزة وخاصة بي لأصنع قطعاً معدنية تتجسد فيها معانٍ وقصص مررنا بها، تعبيراً عن ما يدور في داخلي من أفكار ومشاعر”.

وعلى الرغم من أنها لم تدرس الفنون أكاديمياً، فإن موهبتها في الرسم منذ الصغر كانت بوابتها نحو هذا العالم المعدني الجميل. فكل رسمة كانت تتحوّل في خيالها إلى مجسم واقعي تلمسه بيديها، تصوغه بأسلاك الحديد الصلبة التي تطيعها كما لو كانت طيناً ليناً بين أصابعها.

تقول ليلان: “أصنع المجسمات التي أتخيلها بحرية، وأحياناً حسب طلب الزبائن. عملي يتطلب جهداً كبيراً وساعات طويلة من التركيز، فالتفاصيل الدقيقة تحتاج إلى دقة عالية وأنامل تتقن التعامل مع الأسلاك الصلبة”.

ورغم صعوبة التعامل مع الحديد وبرودته، إلا أن في أعمال ليلان دفئاً إنسانياً واضحاً. كل قطعة تروي حكاية، وكل انحناءة في السلك تحكي شعوراً أو ذكرى. تعتبر أن الفن في منطقتها جزء من ثقافة الناس وهويتهم.

وتقول: “الفن يعبر عن ذاتنا، عن أفكارنا ومشاعرنا الداخلية. كل عمل أنجزه يترك في داخلي أثراً روحانياً لا يُنسى”.

لم يكن طريقها سهلاً، فقد واجهت في البداية صعوبات كثيرة، من نقص الأدوات إلى صعوبة تعلم تقنيات التشكيل المعدني. لكنها لم تستسلم، ومع كل تجربة جديدة كانت تكتسب خبرة وتضيف لمسة مختلفة على أعمالها.

وتستخدم اليوم أدوات الحدادين ذاتها – من القواطع والمطارق إلى الكماشات والمسامير – لكنها تحوّلها إلى أدوات إبداع تصنع الجمال بدلاً من الصلابة.

ورغم أنها لا تمتلك بعد معرضاً خاصاً، فإنها وجدت في مواقع التواصل الاجتماعي نافذتها إلى العالم. تعرض أعمالها هناك وتبيعها، كما ترسل بعضها إلى شقيقها في العراق ليتولى تسويقها. ومع ذلك، لا تخفي حلمها الكبير: “أتمنى أن أفتح متجري الخاص لعرض أعمالي. أن أرى كل هذه القطع مجتمعة أمامي، سيكون ذلك تحقيقاً لحلم طالما رافقني”.

وبين الأسلاك الحديدية التي تتحول إلى ورود، ووجوه، وأجساد تنبض بالعاطفة، تصنع ليلان فناً جديداً بلغة من حديد — فنّاً يروي قصص الروح في زمنٍ يندر فيه الإصغاء للجمال الخفي.

تحرير: معاذ الحمد