دمشق.. “التكسي” تخرج من الاستخدام وتقتصر على حالات الإسعاف فقط

ليلى الغريب ـ دمشق

في بلد تقرأ فيه إعلاناً لشراء 25 ليتراً من البنزين و”السعر بنور الله”، ويعيش مواطنوه على أقل من 13 دولار شهرياً، صار التنقل حتى إلى العمل يستنزف الراتب أو جزءاً كبيراً منه، بينما خرجت “رفاهية” استخدام سيارات الأجرة الخاصة “التكسي” من الحسابات تماماً، إذ إن الراتب كله بالكاد يكفي 3 استخدامات للتكسي.

وسط زحام شديد صار نوعاً من “روتين” المعاناة اليومية لمسيرة الموظفين في سوريا، كانت تقف وكأنها تراقب أولئك الذين يتدافعون للظفر بمقعد في “سرفيس”، ثم تبقى مع سواها بانتظار سيارة نقل عام أخرى.

تقول الموظفة لينا الحمد، لنورث برس، إنها تنتظر لنحو ساعة أحياناً، قد تحظى بمقعد، وتتابع إنها في السابق كانت تستخدم “التكسي” حين يزداد الزحام والتدافع، إلا أن الأجور العالية أرغمتها على “الإقلاع عن تلك العادة السيئة”، حسبما وصفتها.

حتى “السرفيس” صار رفاهية، تقول “الحمد” وهي تنظر إلى الذين ينتظرون سيارة نقل عام أخرى، ويحاولون دون أن يلتفتوا لأصحاب سيارات “التكسي” الذين ينتظرون من سيدفعه يأس انتظار السرفيس لأن “يغامر” باستخدام التكسي.

وتضيف تلك السيدة أنها كانت تستخدم التكسي في حالات الزحام والتدافع، ثم لجأت إلى “التكسي السرفيس”، الذي خرج أيضاً من نطاق إمكانياتها مع ارتفاع الأجور، إذ إن سائقي “التكسي السرفيس” يتقاضون أجوراً لا تقل عن 2500 ليرة، للتوصيلة، بعد انتظار أيضاً حتى يكتمل الطلب ويصل عدد الركاب إلى 4، وتبقى تلك التكلفة أقل من أجرة “التكسي” التي لا تقل أجرة أي استخدام لها عن 5 آلاف ليرة.

تقول “الحمد”: يذهب أكثر من ثلث راتبي على المواصلات شهرياً، وحتى السرفيس صار يشكل عبئاً مالياً، فكيف يمكن استخدام “التكسي”؟

“التكسي” خارج الحسابات

ويضيف أحد الموظفين في شركة خاصة، أن استخدام “التكسي” خرج من الحسابات نهائياً بالنسبة للعاملين بأجر، ويقول بنوع من التهكم: “صارت التكسي للضرورة القصوى فقط، كحالات الإسعاف، بل ربما حتى في تلك الحالات لن يكون استخدامها ضمن المتاح”.

ويتساءل: “إذا كان الراتب بنحو 150 ألف ليرة، ومتوسط أجرة التكسي بنحو 5 آلاف ليرة، فأي موظف ذاك الذي سيكون قادراً على استخدام التكسي؟

ويقول: “ما تراه في الشوارع يومياً من صراع للحصول على مقعد في أي وسية نقل، والصراع بين أصحاب التكاسي ومستخدميها على الأجرة، يبدو حالة من تراجع الحكومة عن مسؤولياتها، فهي كمن تقول للناس: دبروا راسكن”.

ويشير إلى أن أصحاب “التكسي” أيضاً لا يجدون ركاباً لهذا فقد عادت ظاهرة “التكسي السرفيس” وصار عدد من أصحاب سيارات الأجرة، يعملون وفقاً لآلية عمل “السرافيس” لكن مع عدد ركاب أقل، وأجرة أعلى هي أيضاً خارج الحسابات.

لديهم معاناتهم

هي حالة جميع من يهدرون ساعات عمرهم على الطرقات في انتظار وسيلة نقل، وحيث صار التنقل مشكلة يومية، زادها تأزماً انخفاض أعداد سيارات النقل العام، وسيارات الأجرة بسبب ارتفاع أسعار المحروقات.

أحد سائقي “التكسي” يقول لنورث برس، إن “الناس لا يضعون اللوم إلا علينا، ويقولون إننا لا نلتزم بالتسعيرة، ونفرض الأسعار التي نريد، لكنهم لا يعرفون معاناتنا”.

ويلخص أسباب ارتفاع أجور النقل “بعدم توافر مادة البنزين بالدرجة الأولى، خاصة بعد أن تم رفع سعر البنزين الأوكتان 95 مؤخراً إلى 10 آلاف ليرة لليتر الواحد، إضافة إلى تقليص الكميات المسموح شراؤها”.

وكانت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك رفعت سعر ذلك النوع من البنزين (غير المدعوم)، مرتين خلال الشهر الماضي، كما خفضت كمياته، ليصير مسموحاً فقط شراء 30 ليتر أسبوعياً، وبسعر 10 آلاف ليرة.

ويتحدث عن الأعباء الأخرى التي يتحملها أصحاب سيارات الأجرة، ومنها أجور الصيانة التي تضاعفت مع حالة الغلاء العامة، وصارت تكلفة إصلاح أي عطل في السيارة لا تقل عن 50 ألفاً وقد يصل إلى نصف مليون ليرة.

يضاف إلى ذلك، حسب السائق، “النفقات المستورة”، إذ إن جميع العاملين على خطوط النقل العام، يدفعون “إكراميات” بشكل شبه دوري، وحتى دون أن تكون هناك أي مخالفة، ودون أن يعترضوا، لأن الشرطي يستطيع أن يجد عشرات المخالفات في كل سيارة، وتكفي واحدة منها “لتخرب بيت” صاحبها.

سوق سوداء

مصدر في محافظة دمشق، يقول إن المشكلة ليست في إلزام السائقين بالتسعيرة التي يشير إلى أنها ليست مجدية بالنسبة لأصحاب السيارات الخاصة، بل إن المشكلة الرئيسية هي في نقص كمية المحروقات والمتاجرة بالمادة في السوق السوداء.

ويتحدث المصدر لنورث برس، عن تلك الحالة الغريبة التي أفرزها واقع ارتفاع أسعار المحروقات، وتقلص الكميات المسوح بشرائها، إذ إنها جعلت السائق الذي يبيع مخصصاته في السوق السوداء يحقق ربحاً أعلى مما يمكن أن يحقق فيما لو استخدم تلك الكميات في عمله.

ويوضح أن تلك الحالة تشمل مادة المازوت أيضاً وتنعكس على تناقص أعداد سيارات النقل العام، وهو ما دفع إلى إلزام السائقين بتركيب أجهزة التتبع.

وتحدد وزارة التموين الكميات المخصصة لسيارات الأجرة بمئة ليتر شهرياً، وهو ما يقل كثيراً عن الحاجة، لذلك سيلجأ السائق إلى السوق السوداء أو أن يبيع مخصصاته، وقد ساهم في زيادة ظاهرة بيع المخصصات أن الكميات المخصصة للسيارات الخاصة لا تتجاوز 70 ليتراً في الشهر، وهي عملياً تقل عن ذلك بسبب تأخر وصول الرسائل التي تحدد دور التعبئة، إذ قد تصل أحياناً إلى 20 يوماً.

كل هذا يزيد الحاجة إلى البنزين في السوق السوداء حيث لا ضابط للأسعار.

وكانت وزارة التجارة الداخلية، قالت إن مبررات القرار الأخير برفع أسعار البنزين “أوكتان 95” وتقليص كمياته (من 600 ليتر شهرياً إلى 120 ليتراً)، هو “منع الاتجار بالمادة ومن أجل التخفيف من الازدحام وعدم حدوث اختناقات في المحطات”. إلا أن ذلك فعلياً لا يؤدي إلا إلى زيادة سعر المادة في السوق السوداء.

تحرير: تيسير محمد