إعلاميات شمال وشرقي سوريا.. تنميط مجتمعي وقانونٌ يستثني وجودهن

القامشلي – جلسة "المرأة الإعلام" عُقدت من قبل "منظمة سارة لمناهضة العنف ضد المرأة" – نورث برس

القامشلي – سولنار محمد/سيماف حسن – نورث برس

كان لمناطق شمال شرقي سوريا نصيب كبير من التغيرات الحاصلة في سوريا بداية النزاع المسلح فيها عام 2011, والذي شمل الجغرافية السورية بمجملها, إذ بدأ النشاط الإعلامي في المنطقة من خلال مؤسسات ومراكز رسمية مرخصة من قبل الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا بعد أن كان الأمر مقتصراً على عمل بالخفاء.

وكان للمرأة ظهور ملفت وطاغٍ في الكثير من الأحيان, إلا أن الأمر لم يخلو من مصاعب وتحدياتٍ جمة واجهتها خلال مسيرتها الإعلامية التي قارب عمرها لدى بعض الإعلاميات, العقد من الزمن.

وأيضاً لم يكن العدد كافياً لنقل الصورة الحقيقية, غير النمطية للمرأة, و للمواضيع التي تتعلق بها أو تمثيل دورها في المجتمع، حسب ما تقول الناشطة المدنية ناز حمي.

وعلى هامش جلسات عقدت الأسبوع الماضي في مدينة القامشلي, من قبل "منظمة سارة لمناهضة العنف ضد المرأة", تناولت محاور تندرج تحت عنوان "المرأة في الإعلام", تم الاستناد فيها إلى مفهوم "الجندر" أو النوع الاجتماعي كمحدد للهوية, ناقش إعلاميون وإعلاميات أبرز التحديات التي تعترض طريق المرأة في عملها بالإعلام.

تنميط الدور الإعلامي

تقول الصحفية روناك شيخي, التي بدأت عملها في الإعلام منذ خمس سنوات, إنها عانت بداية بسبب عدم تقبل محيطها عملها كمراسلة حربية, كما واجهت صعوبات منها الاضطرار للنوم خارج منزلها وترك زوجها وأطفالها عدة أيام, عدا عن كونها معرضة للاعتداء عليها من قبل عناصر ونساء تنظيم "الدولة الإسلامية".

وتشير شيخي, التي تعمل الآن مراسلة لدى "شبكة أخبار الآن" أن عائلتها حاولت في البداية إقناعها بأن تكتفي بالعمل في مجال الإعلام المكتوب بدلا من المرئي خوفا عليها من المخاطر لكن ذويها تأقلموا على ذلك مع مرور الوقت.

أما آريا حاجي التي تتبوأ منصباً إدارياً لدى المؤسسة التي تتبع لها, فتؤكد أنها لم تسلم من "التنمر" الذي طالها, نتيجة لتجولها مع كاميرتها, مشيرة إلى أن "التنمر موجود بشكل أو بآخر في هذا المجال وتجاوزه يتطلب وعياً وثقافة".

وتضيف حاجي التي تعمل كمديرة تنفيذية لدى "شبكة آسو الإخبارية", أن المجتمع لا يأبه بنجاح المرأة وفشلها في المجال الإعلامي, إنما يصمم دائماً على الاستمرار بالاستخفاف بها, الأمر الذي يتسبب في النهاية بعدم قدرتها على تمثيل عملها بأفضل شكل ممكن.

وتتجاوز الصورة النمطية للمرأة, المعززة نتيجة الإرث الثقافي المجتمعي السائد, مسألة تنميط دور العاملة في مجال الإعلام وتصل لحد عزم بعض الإعلاميات على الانسحاب من "مهنة المتاعب" عندما تقرر الزواج.

إذ تقول شيخي "المرأة غير المتزوجة تفكر بالتأكيد أن تغادر عملها في حال تزوجت ولم تحصل على حقها في إجازة الأمومة إذ أن العمل سيؤثر سلبا على عائلتها وأطفالها".

المساواة "مؤسساتياً"

يشير الصحفي فرهاد أحمي خلال حديثه لـ"نورث برس" إلى تفاوت المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات خلال عملهم مع المؤسسات الإعلامية، داعيا إلى تحقيق المساواة بين الطرفين حسب الكفاءة لا النوع "الجندري".

ويذكر أن غياب المساواة بين الرجل والمرأة لا تقتصر على مسألة حق إجازة الأمومة والأبوة فحسب، بل إن النساء الصحفيات أجورهن أقل من الصحفيين ولا يتبوَأن المناصب الإدارية مثلهم.

ويطالب أحمي بضرورة أخذ خصوصية المرأة بعين الاعتبار سواء عبر المؤسسات الإعلامية المحلية أو الدولية التي لديها مكاتب في شمال وشرقي سوريا.

أما روناك شيخي, فتوضح أن عملها لا يضمن لها حقوقاً عقدية مصانة من ناحية إجازة الأمومة, وتستدرك "إلا أن فريق العمل يأخذ الظروف دائماً بعين الاعتبار".

وتقول الناشطة المدنية ناز حمي والتي أدارت جلسات "المرأة والإعلام" إنه لا توجد تحفظات أو بنود حول حماية النساء في الإعلام, بالأخص "إننا في منطقة تخطو فيها المرأة خطواتها الأولى في هذا المجال, وتدعو إلى ضرورة وجود سياساتٍ معنية بحماية النساء وبناء قدراتهن في المجال الإعلامي".

صياغة قانونية غير حساسة للنوع الاجتماعي

تناولت الجلسة أيضا انتقاداتٍ لقانون الإعلام بسبب اللغة غير الحساسة للنوع الاجتماعي التي كُتب القانون بها.

ومن خلال الاطلاع على القانون الأخير الناظم للعمل الإعلامي في مناطق شمال وشرقي سوريا, تبدو الصياغة التي لا تلمح ولا تذكر أي توصيف للإعلاميات أو العاملات في مجال الإعلام واضحة, إذ تقول الفقرة (ب) من المادة (2) "يلتزم العاملون في المجال الصحفي والإعلامي في عملهم بالمبادئ والقيم".

ويتكرر الأمر في المواد الأخرى للقانون الصادر وفق نصه " بناءً على أحكام العقد الاجتماعي وإقرار المجلس التشريعي بجلسته رقم /49/تاريخ 19/12/2015 والمتضمن قانون الإعلام يرسم الحاكمية المشترك لمقاطعة الجزيرة".

كما تتعدى الصيغة المستثنية للمرأة, قانون الإعلام, إذ أن "اتحاد الإعلام الحر" الذي يعد "مؤسسة نقابية تعمل من أجل الحفاظ على الحقوق المادية والمعنوية للصحفيين وترسيخ حرية الرأي والتعبير وفق قيم الحرية والعدالة والمساواة بين الجنسين", يتناول ميثاق العمل الصحفي بصيغة تعرف "الإعلامي" دوناً عن "الإعلامية".

تقول حمي خلال حديثها لـ"نورث برس" إن  هناك نسبة عددية جيدة للنساء العاملات في المجال الإعلامي لكن تلك النسبة لا تتوافق مع التمثيل الحقيقي لصورة المرأة في المجتمع, وتضيف "الصياغة في قانون الإعلام لا تلمح أو توصف الإعلاميات, رغم عددهن".

وتلفت إلى ضعف الإعلام المحلي في نقل صورة المرأة خارج القوالب النمطية التي يفرضها المجتمع على المرأة مثل تسليط الضوء على قضايا العنف مثل العنف القائم على النوع الاجتماعي.

قانون موحد للإعلام في شمال وشرقي سوريا

بدأت في أيلول/ سبتمبر 2019, أولى جلسات صياغة مسودة قانون الإعلام الموّحد لمناطق الإدارة الذاتية في شمال وشرقي سوريا, وغير مخصص لمنطقة معينة كالقانون المذكور سابقاً, إلا أن الهجمات التركية على شمال وشرقي سوريا أوقفت عمل اللجنة مؤقتاً.

وحول الانتقادات التي تطال قانون الإعلام الخاص بمنطقة الجزيرة والصادر عام 2015, ومدى تجاوز ثغراته في القانون الموحد الذي لا يزال صدد الإنشاء, سواء من خلال اعتماد صيغة شاملة إنسانياً, أو من خلال صياغة حساسة للنوع الاجتماعي, يقول الرئيس المشارك لهيئة الإعلام في الإدارة الذاتية عامر مراد لـ"نورث برس" إن القانون الجديد "يراعي مسألة اختلاف الأجناس".

ويشدد مراد  على مراعاة وجود إعلاميين وإعلاميات في لجنة صياغة القانون, كما يؤكد "المصطلحات تراعي اختلاف الجنسين نتيجة لوجود إعلاميين وإعلاميات في المنطقة, لضرورة مراعاة المساواة بين الجنسين".