“أبو قبيع”…فندق حولته الحرب السورية إلى مخيم للنازحين

الرقة- مخيم أبو قبيع جنوبي غربي مدينة الرقة- NPA

الرقة- مصطفى الخليل – NPA

 

هي تناقضات الحرب السورية ومفرزاتها جعلت من فندق بإطلالة ساحرة على ضفة نهر الفرات، مخيماً يأوي النازحين القادمين إلى الرقة من مناطق إدلب وحلب شمالي سوريا.

يقع مخيم "أبو قبيع" على الطريق الدولي الرقة –حلب, /11/ كم جنوبي غربي مدينة الرقة، ويتكون من بناء يبلغ عدد طوابقه خمسة طوابق، ويتألف من أربعين غرفة.

ويقطن في هذا المخيم أكثر من مئتي عائلة، غالبيتهم من جبل الزاوية وأرياف إدلب ومدينة حلب، ويوجد في هذا المخيم مدرسة ابتدائية، وروضة للأطفال، ومستوصف طبي وسوق تجاري بسيط، يلبي احتياجات قاطني المخيم الذين في غالبيتهم تربط بينهم علاقات قرابة ومصاهرة.

يوضح الممرض المشرف على المستوصف الطبي في مخيم "أبو قبيع" حسين العلي لـ"نورث برس" أنه عند وصولهم إلى الفندق منذ سنتين, كان "مهجوراً وفي حالة يرثى", مضيفاً "فقمنا بإعادة ترميمه بالتعاون ما بين الأهالي والعوائل النازحة".

وتعود ملكية الفندق لسيدة من الرقة تعيش خارج سوريا، حيث تواصل النازحون معها للإقامة فيه، وكذلك رحب بهم أهالي قرية "أبو قبيع" وأهالي القرى المجاورة, حسبما أكده الممرض العلي.

ويشير الممرض إلى أنهم  في البداية كانوا حوالي/200/ عائلة, بينهم مرضى وذوي الاحتياجات الخاصة، فقاموا بتوزيعهم على غرف الفندق، أما باقي العائلات نُصبت لهم خيم حول بناء الفندق.

وعن الخدمات الطبية التي يقدمها المستوصف لقاطني المخيم، يبين العلي أنهم يقدمون الخدمات الطبية المجانية البسيطة ، لافتاً إلى أنه لم يتم تقديم أي مساعدات لهم, سوى المساعدات التي تقدمها لجنة الصحة في مجلس الرقة المدني.

 

المدرسة والروضة

 

وقام قاطنو المخيم بتنظيم أنفسهم من أجل تعليم أبنائهم، وبالتعاون مع لجنة التربية والتعليم التابعة لمجلس الرقة المدني، شكلوا مدرسة ابتدائية صغيرة.

تتكون المدرسة من مجموعة من الخيم, منصوبة بجانب بعضها البعض وموصولة على شكل غرف صفية, وبحسب مدير المدرسة, نادر أصفر, وهو من ريف إدلب وأحد قاطني المخيم، فإن المدرسة تم افتتاحها العام المنصرم، وتضم أكثر من/130/ طالباً وطالبة, حيث تُعلمُ فيها معلمات من إدلب من العائلات النازحة في المخيم.

وتشرف لجنة التربية والتعليم في مجلس الرقة المدني على المدرسة في مخيم "أبو قبيع" للنازحين،  حيث تقوم بدفع رواتب الكادر التعليمي، فضلاَ عن تزويد المدرسة بالاحتياجات الأساسية من مقاعد وخيم، على حد قول مدير المدرسة.

وتوجد في المخيم روضة صغيرة للأطفال, قامت بإنشائها منظمة كونسيرن( منظمة دولية تعمل في الرقة) ويعلم فيها معلمون ومعلمات من مناطق إدلب أيضاً.

ويناشد الكادر التعليمي في مدرسة مخيم "أبو قبيع" المنظمات الإنسانية العاملة في الرقة "بضرورة تقديم الكتب المدرسية للطلاب كونهم يعانون من نقص في كتب المنهاج المدرسي", على حد قول مدير المدرسة.

 

"مشتاق لقلعة حلب"

 

يشير محمد حبال (74 عاماً)  نازح من حي باب النيرب؛ أحد أحياء حلب القديمة،  إلى أنه خرج منذ سنتين مع من حي باب النيرب, نتيجة الحرب التي دارت هناك ما بين المعارضة المسلحة وقوات الحكومة السورية.

وفقد الرجل السبعيني اثنين من أحفاده نتيجة قصف الطائرات على حي باب النيرب عام 2017, ليتابع بحسرة  "لم يبق لنا أي شيء في حلب؛ بيوتنا تدمرت، ورشة التريكو الصغيرة التي كنت أديرها أنا وأحد أبنائي كذلك تدمرت".

و يسترجع الحبال شريط ذكرياته، وكيف وصل من حلب إلى مخيم "أبو قبيع", قائلاً " لا أتذكر كيف وصلنا إلى المخيم ، كنت مريضاً وقتها، وجئت أنا وأقاربي وأولادي إلى هنا, لا أتذكر كيف وصلنا لهذا الفندق".

ولم يتوقع الحبال طيلة حياته السابقة قبل الحرب أن يخرج من حلب في يوم من الأيام، أو أن يترك ورشته الصغيرة وأهل حارته, فيضيف "ما حدث كان أكبر من طاقتنا".

 ويتابع الحبال وكأنه يقول لا أعرف لماذا حدثت الحرب "في سوريا قبل الحرب لم نكن طائفين, لم نكن نعرف هذا علوي أو سني أو كردي".

ويصرُ الرجل السبعيني على القراءة الكلاسيكية التي يقولها غالبية كبار السن في سوريا أن سبب الحرب السورية، هو "الفتنة".

ويختتم الحبال حديثه في رده عن السؤال عن ذكرياته التي يحملها عن مدينة حلب "طبعاً مشتاق لحلب، مشتاق لأهل حارتي، والأهم مشتاق لقلعة حلب".

 

"من السفر برلك إلى الحرب السورية"

 

وفي محطات شاقة متكررة ومليئة والمآسي، منذ اندلاع الأزمة السورية سنة 2011,  تنقلَ حسن العلي(88 عاماً) الذي ينحدر من قرية بسنقول في منطقة جبل الزاوية التابعة لمحافظة إدلب, ومن منطقة إلى أخرى كان العلي يأمل قضاء بقية أيام عمره في مكان يهنأ به ولو قليلاً.

في جعبة هذا الرجل أحاديث كثيرة، ولكنه لم يفصح عن كل الأحداث المُخزنة في ذاكرته التي ما تزال متقدة حتى الأن؛ أحاديثٌ مشبعةٌ بوجع السوريين ترجع لزمن طويل.

ونزح العلي من إدلب نتيجة "الجور والظلم وقصف الطائرات التي لم تترك شيئاً إلا وقصفته"،  حسب تعبيره, فيضطر لافتراش العراء, ليستقر في أريحا لمدة شهرين،  لينتقل بعدها إلى مدينة إدلب, فيقيم هناك لمدة سنة.

وانتقل العلي بعدها إلى مدينة تل رفعت بريف حلب الشمالي, ليستقر به المطاف في مخيم "أبو قبيع".

ولا يكتفِ العجوز الإدلبي بسرد ذكرياته خلال سنين الحرب السورية فقط، بل يعود خطفاً إلى أكثر من قرن من الزمن، ليروي المعاناة التي سمعها عن والده في حادثة "السفر برلك", أيام العثمانيين سنة/1915/ م.

يقول "كان السفر برلك صعباً جداً، من يذهب إلى السفر برلك لا يعود، تسع سنوات لم يرَ والدي أهله", فيضيف "هكذا كان وضع الجيش العثماني في السفر برلك، لقد تقطعت أصابع يدي والدي من شدة العذاب الذي لحق به أثناء ذلك، وأصبحت أصابعه أشبه ما تكون بالقِرم الصغيرة".

ويتذكر العلي حديث والده عن أعمال السخرة التي كان يفرضها العثمانيون على الجنود العرب والعسكر الذين يخدمون معه في السفر برلك  قائلاً "كانوا ينقلون الطوب على أكتافهم وعلى ظهور البغال والبقر".

ومن وجهة نظر العلي "الثورة السورية التي اندلعت عام2011 م كانت في بدايتها تسير على الحق"، على حد تعبيره, معتبراً أن "إغراقها بالمال  كان أحد أهم أسباب فشلها", متسائلاً "لا أعلم متى تنتهي هذه الحرب؟! منذ ثمانية سنوات، ونحن نعاني منها".

"هذه الحرب لن تنته إلا بخروج الرجال الصالحين", ولكن لم يفصح العلي ماذا يقصد بالرجال الصالحين؛ الذين يأمل منهم كثيراً، وخاصة في إنهاء الحرب السورية مختتماً كلامه قائلاً "لن تتوقف هذه الحرب".