نبش القمامة في حلب.. ظاهرة اجتماعية تترجم واقع المجتمع السوري المتردي

حلب - أحد الأطفال وهو يبحث في إحدى حاويات حي السريان - NPA

حلب – زين العابدين حسين – NPA

 

كثرت في السنوات الأخيرة ظاهرة "نبش القمامة" نتيجة تردي الواقع الاقتصادي والاجتماعي والظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها الأسرة السورية بسبب الحرب والتي نهشت بالمجتمع والمواطن لدرجةٍ أصبحت تلك الظاهرة مصدر دخل يومي ووحيد لبعض العائلات بمدينة حلب.

 

وبات النبش في الحاويات ظاهرة اجتماعية يمارسها الأطفال بشكل أكبر نتيجة تفشي الفقر والعوز في الأحياء الشعبية الفقيرة، حتى غدت لدى البعض مصدر إعانة لأسرهم وسط غياب شبه تام لدور المنظمات والجمعيات الحكومية المعنية بحماية الطفولة.

 

ما الذي ينبّشونه؟

 

يقول الطفل أحمد الذي يبلغ من العمر /12/ عاماً لـ"نورث برس": أنا وأخي نجمع الأغراض القابلة للتدوير من النايلون والكراتين وقطع الحديد والألمنيوم ونبيعها لاحقاً للمصنع ونجني منها في كل يوم ما بين الألف وألفين وخمسمئة ليرة سورية ونعتاش من دخلها, ولكن دخلنا منه ينقص ويزداد حسب الأيام والفصول.

 

ويقول أحمد ضاحكاً "هذا القميص الذي ألبسه رأيته في حاوية بحي المارتيني مقابل الجامعة وهي جديدة، أنظر كم هي جميلة، ولقد رأيت ألبسة أخرى أخذتها لأخواتي وأمي حتى إني رأيت بعض الكتب والدفاتر ومفروشات فأخذتها لمنزلنا والتي كنت قد رأيتها في أحياء متفرقة من المدينة".

 

يتابع الطفل أحمد "أحياناً نتعرض للضرب والطرد من عمال النظافة التابعين للبلدية وذلك لأننا نقوم بنبش الحاويات حيث نضطر لنثر القمامة على أطراف الحاوية لأن النبش ليس له نقطة لتبدأ منها فنضطر لقلب محتويات الحاوية رأساً على عقب مما يتطلب جهداً إضافياً للعامل لتنظيف المكان ولكن هذا مصدر رزقنا ودخلنا فما عسانا نفعل غير ذلك؟".

 

ويضيف أحمد بأنه لم يرتد المدرسة أبداً بسبب وضعهم المادي التعيس والدراسة فقط للأغنياء الذين يُحضر لهم كل شيء ووضعهم المعيشي مستقر حسب ما تقول له والدته وهو مقتنع بهذا الكلام أيضاً متسائلاً كيف سأدرس إن لم يكن لدينا ما نأكله.

 

ووفقاً لأحمد فهم لا يمرضون إلا نادراً وإن مرضوا فإنهم يتحسنون من تلقاء أنفسهم بشرب كأس بابونج أو يانسون وكمون أو دهنة من زيت الزيتون في حالة الحساسية فقد تعودوا على حياتهم هذه لأنَّ كل مرض له دواء عند والدته حسب قناعته!.

 

سخط المجتمع

 

زادت الظاهرة في الآونة الأخيرة وزاد معها سخط المجتمع منها, وذلك لما تسببه من انتشار للروائح الكريهة حيث يقوم النباشون بفتح الأكياس ونثرها على أطراف الحاويات وأماكن تجمّع القمامة مما يؤدي إلى انتشار الجراثيم والذباب والأمراض المتنقلة في الهواء.

 

خليل محمد أبو كاوا من سكان حي السريان الجديدة يقول إن المخالفة التي وضعتها الدولة حتى وإن تم تطبيقها فهي ليست كافية, لأن جامعي القمامة باتوا يعتاشون من هذا العمل ويرونه تجارة مربحة من دون أي اعتبار للجراثيم والروائح الكريهة التي يخلفونها بسبب نبشهم للقمامة في الشوارع.

 

وحول ذلك يقول الدكتور ماهر أحمد سفير الأمل والسلام من أجل الإنسان والأوطان ومستشار المرأة والطفولة لـ "نورث برس" بأن "البلاد التي توجد بها حروب انتشرت بها هذه الظاهرة ومنها عدة دول عربية وليس بسبب قلة الوعي لأنه هناك منظمات أممية تطوعية تتعامل مع مؤسسات داخل البلد، وهذه المؤسسات تحاول الاستفادة المادية قبل التفكير بالعمل الإنساني وإيصال المساعدات لمستحقيها".

 

وبحسب أحمد، "لتجنّب هذه الظاهرة أو الإقلال منها يجب دعم الأسر الفقيرة بطردين من المواد الغذائية شهرياً وذلك بعد اطلاعهم على محتويات الطرد حيث أن الطرد الواحد لا يكفي أكثر من /15/ يوم وإيصاله لمنزل المستحق دون الرجوع للمجالس، والعمل على دعم التعليم والطفل ومساواة المرأة والأطفال ودمجهم في المجتمع".

 

نهب الحصص الغذائية

 

ويتابع بأنه عندما يكتفي الفرد من الحصة الغذائية سيكتفي بالعمل وسيجتهد أكثر ليكتفي ذاتياً وأسرته وليس العمل بالعكس، لأنه يلاحظ عند وصول المساعدات أصحاب الأموال وميسوري الحال والذين لهم معارف يحصلون على الحصص الغذائية قبل وصولها للفقير المستحق الذي يحتاج إلى أية طريقة لسد رمق أطفاله وأسرته.

 

ويستطرد أحمد بأن القانون الدولي لحقوق الإنسان يفرض على المنظمات ويلزمها بإيصال الطرد الغذائي إلى باب كل مستحق، "ولكنهم يعملون على بيعه لمكاسب مالية".

 

ويضيف بأنه طالب "اليونيسف" بفتح أبواب التعليم للذين لا يحملون أوراقاً ثبوتية وإدخالهم للمدارس ودعمهم بالقرطاسية ليكونوا أسوة بأخوتهم، كما ينص القانون الدولي على معاملة جميع مكونات الشعب سواسية.

 

الجدير بالذكر أنّ مثل هذه الظواهر الاجتماعية لا تخلو منها الأحياء الفقيرة في المدن السورية, في ظل الأوضاع الراهنة في ظل ما تشهده المدن السورية من حالة الفقر والفوضى وتردي الواقع الاقتصادي والاجتماعي.