ملفات المال والنفط العالقة بين أربيل وبغداد تشتعل مجدداً

أربيل – نورث برس

اشتعل الصراع مجدداً بين أربيل وبغداد على خلفية ملفي المال والنفط العالق منذ سنوات، في وقت يصعب فيه إيجاد حل تحت مظلة الدستور العراق الفيدرالي.

وأصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق، أمس الأربعاء، قراراً يقضي بإلغاء جميع القرارات السابقة التي أصدرتها الحكومة العراقية والمتعلقة بإرسال سلف مالية إلى إقليم كردستان.

وسرعان ما وصف رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني، القرار بـ”غير العادل” يستهدف العملية السياسية والاتفاق السياسي الذي تشكلت عليه الحكومة العراقية الجديدة.

أما حكومة الإقليم التي يقودها مسرور بارزاني، فقالت إن القرار “جائر” ويعدّ “خرقاً صارخاً للدستور ومخالف لاتفاق تشكيل الحكومة العراقية.”

وقالت حكومة الاقليم إنها “لن تخضع لهذا القرار”، داعيةً نظيرتها المركزية إلى الإيفاء بالوعود التي قطعتها بإرسال المستحقات المالية لإقليم كردستان.

وتقول السلطات العراقية إن أصل المشكلة تكمن لدى أربيل باعتبارها لا ترسل قمية كمية النفط المتفق عليه (250 ألف برميل يومياً) والذي يبيعه الإقليم.

بالمقابل تشدد أربيل على أن القرار يعادي حقوق مواطني إقليم كردستان ومستحقاتهم المالية الدستورية.

ويمثل هذا الموقف الجديد لهذه المحكمة، “تأكيداً على المضي بسياستها الجائرة والعدائية تجاه إقليم كردستان”.

أصل القضية

ظلت قضية بيع النفط في إقليم كردستان ملفاً شائكاً في العلاقة الدستوية بين أربيل وبغداد، ولم تغب عن طاولات التفاوض منذ نحو عقد من الزمن.

وقضت المحكمة العراقية مطلع العام الفائت، بعدم شرعية قانون 2007 للنفط والغاز في الإقليم الذي يبيع النفط مستقلاً عن بغداد، وهذا ما نددت به سلطات الإقليم.

كما طالبت بغداد أربيل بتسليم كامل إنتاجها للحكومة الاتحادية، مما أثار غضب القيادات الكردية التي أعلنت بوضوح رفضها للقرار على لسان السلطات التشريعية والتنفيذية في الإقليم.

وفي مطلع شهر أيار/ مايو الماضي، دعت وزارة النفط العراقية شركات النفط والغاز العاملة في إقليم كردستان لتوقيع عقود جديدة مع شركة التسويق المملوكة للدولة “سومو” بدلاً من حكومة الإقليم.

وأتت تلك الخطوة بعد سنوات من المحاولات التي قامت بها الحكومة الاتحادية للسيطرة على عائدات حكومة الإقليم شبه المستقلة.

لكن الملف النفطي العالق بين الإقليم والمركز ليس وليد العام الفائت فحسب، بل يعود إلى نهاية ولاية رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي الثانية في 2014.

ورفعت الحكومة العراقية آنذاك دعوى في محكمة تجارية تابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس ضد تركيا بشأن مبيعات نفط إقليم كردستان على الأراضي التركية.

ومرت هذه القضية بمراحل مختلفة مرهونة بالتجاذبات السياسية، حيث أوقفها رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي في بداية ولايته نهاية 2014، ثم تفعيلها مجدداً في مطلع 2017 قبل تجميدها في أيامه الأخيرة.

 وجاءت بعد ذلك حكومة عادل عبد المهدي وأوقفها بشكل كامل بطلب من القيادة الكردية، قبل أن تستأنف من قبل وزارة النفط العراقي خلال عام 2022.

قراءة غير رسمية

جاء قرار أمس بعد فترة أجواء إيجابية بين أربيل وبغداد لنية التوصل إلى اتفاق وحل المشاكل تحت مظلة الدستور.

وأرسلت حكومة إقليم كردستان وفوداً إلى بغداد مرات عدة لمناقشة هذا الملف العالق منذ سنوات بين المركز والإقليم، مع حكومة السوداني.

وبينما كان إقليم كردستان يبيع نفطه مستقلاً عن بغداد وظهور العقود النفطية بين أربيل وشركات عالمية بشكل جلي في عام 2014، رفضت بغداد بالمقابل خلال السنوات الماضية (قبل حكومة مصطفى الكاظمي)، منح الإقليم نسبة من الموازنة المالية بحجة أن الأخير لا يسلم إيرادات النفط للحكومة المركزية.

ومع تشكيل حكومة الكاظمي (7 أيار/مايو 2020 حتى 27 تشرين الأول/أكتوبر 2022) ، بدا أن الجانبين كانا قد توصلا إلى توافق يقضي بارسال سلف مالية إلى أربيل، لكن ليس بعد القرار الأخير الصادر يوم أمس.

ويشكل القرار تهديداً على عقود أربيل طويلة الأمد مع الشركات النفطية وما سيترتب عليها من تداعيات مالية وقضائية دولية، وقد يكون السبب الأبرز الذي يدفع حكومة الإقليم للدفاع عن موقفها بشدة.

ولعل العقود النفطية التي وقعتها أربيل مع شركات أجنبية ولا سيما مع تركيا، تضعها في ورطة في حال خضعت لقرار بغداد، باعتبار أن القرار العراقي يلزم الإقليم بإرسال قيمة النفط المباع وفق السعر الوطني العراقي و ليس كما السعر المنخفض الذي تبيعه أربيل للخارج.

ويُقرء سبب صعوبة خضوع الإقليم لقرار بغداد بإرسال قيمة النفط المطلوب منه وهو 250 ألف برميل يومياً، هو أن ذلك يعني بمثابة انسحاب أربيل من العقود طويلة الأمد مع الشركات، وبالتالي تعريض نفسها لغرامات باهضة، الأمر الذي يضعها أمام خيار واحد فقط وهو توافق سياسي.

ومن غير المعروف ما إذا كانت حكومة السوداني ستمضي مثل الحكومات السابقة بإبقاء الملف طي الكتمان كما حاله منذ حوالي عشرة سنوات، أو أن باب الصراع سينفتح على مصارعيه ليشهد البلد سنين أخرى من الخلاف بين المركز والإقليم.

إعداد وتحرير: هوزان زبير