هل تنتقل الحكومة العراقية إلى مرحلة تنفيذ الوعود أم ستشبه سابقاتها ؟
أربيل – نورث برس
بعد أن تجاوزت الأزمة السياسية ونالت ثقة البرلمان، باتت الحكومة العراقية الجديدة بقيادة محمد شياع السوداني أمام مرحلة صعبة، يسعى فيها لتهدئة الشارع بمختلف أطيافه وتنظيماته الذي قد يشتعل من جديد ويكرر سيناريو 2019.
وشهد عام كامل منذ الانتخابات التشريعية المبكرة في الخريف الفائت، الكثير من المشاحنات السياسية وعمليات اقتحام مؤسسات الدولة من قبل أنصار التيار الصدري وتخللتها اشتباكات مسلحة أيضاً، ثم انتهت بانتخاب حكومة جديدة.
وفي برلمانٍ انسحب منه أشد القوى المعارضة للعرف التوافقي المتمثل بتيار الصدر، مُنحت الثقة لحكومة السوداني الخميس الفائت، المكونة من 21 حقيبة وزارية حتى اللحظة، وتوزعت على القوى والأحزاب السياسية بحيث لم يخرج عن إطار التوافقية التقليدية.
تجارب سابقة
رغم بقائها أسيرة المحاصصة، ثمة الكثير من البوادرفي هذه الحكومة الجديدة تشير إلى أن ما يفتح أبواب الصبر عليها هو المضي بحذر قبل الوقوع في أخطاء الماضي، فيعوّل كثيرون على إن حكومة السوداني قد تقي نفسها من الانتتقادات للملفات التي لطالما كانت السبب للأزمات في البلاد.
ولعل أبرز ما يدفع السوادني للتركيز عليه تحت الضغوطات والحذر من تكرار سيناريوهات الفشل، هو مكافحة الفساد المالي والإداري والسلاح المنفلت وحل مجمل القضايا المحلية كمناطق النزاع مع أربيل وكذلك المدمرة جراء حرب “داعش” وملف النازحين، فضلاً عن قضايا إقليمية والعلاقات مع الجوار.
لذا فالسؤال الذي يُطرح اليوم في الشارع العراقي هو، هل سيتمكن السوداني من تجاوز كل هذه العقبات أم أن مصيره سيكون شبيه بمن قبله؟.
وبالنظر إلى القوة الشعبية التي يمتلكها تيار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر وتيارات آخرى مستقلة، ثمة احتمال أن يُستخدم الشارع مجدداً في حال ذهبت الحكومة في عدم تنفيذ وعود جاءت على لسان السوداني ومنهاجه الوزاري.
منهاج وزاري يعج بالوعود
ومحمد شياع السوداني الذي تسلم رسمياً يوم أمس الجمعة، مهام رئيس مجلس الوزراء وقائداً عاماً للقوات المسلحة، صدر أولى توجيهاته بالكشف عن الذمم المالية للوزارات الجديدة خلال أسبوع من المباشرة بمهامها، لتمثل أول خطوة احترازية كاجراء يكافح الفساد المالي.
كما وجّه السوداني جميع الوزراء بضرورة الابتعاد عن ممارسات الإلغاء والإقصاء والبدء باختيار مدراء مكاتب الوزراء من كوادر الوزارة حصراً، وعدم الاستعانة بمدير مكتب من أي جهة سياسية، في خطوة تبدو مضادة للمحسوبيات والمحاصصة الإدارية من الدرجة الثانية.
لكن بنظر الناس، الفعل والتنفيذ أهم من القول الذي تكرر على مدار الحكومات السابقة من دون نتيجة، وفقاً لاقتباسات ناشطين ومتابعين للشأن السياسي العراقي.
وفي أول بيان أممي موجه للحكومة الجديدة، فقد حثها الأمين العام للأمم المتحدة على “الوفاء بمطالب شعب العراق التي طال أمدها بالإصلاح والمساءلة ومستقبل أفضل.”
أما بالنسبة لما له علاقة بحكومة الإقليم، من الواضح جداً أن الحزبان الكرديان الديمقراطي والاتحاد الوطني، شاركا بقوة في بناء الحكومة، لذا فقد تضمن المنهاج الوزاري للسوداني نقاط مهمة تتعلق بوضع المناطق المتنازع عليها وهو النتنسيق الأمني مع البيشمركة لتأمينها.
كما دعت الحكومة الجديدة إلى حق ممارسة الأحزاب الكردية نشاطاتها في نينوى وكركوك وديالى وصلاح الدين، والتي تم الاستيلاء عليها من قبل القوات الاتحادية والحشد الشعبي عام 2017، فضلاً عن تخصيص وصرف مستحقات اللجنة العليا لتنفيذ المادة 140 التي لطالما كانت موضع جدل بين بغداد وأربيل منذ نشأة الدستور عام 2005.
و يبدو من الصعب حل هذه الملفات إضافة إلى أخرى مالية ونفطية تتعلق بالعقود المبرمة بين الشركات الاجنبية وأربيل، ما يعني أنه من المتوقع استمرار المفاوضات بين حكومتي أربيل وبغداد لغية التوصل إلى ضيغة ترضي الطرفين.
أما على صعيد القوى السنية، وهي أيضاً دخلت بقوة في عملية تشكيل الحكومة، فتطالب من السوداني رعاية شؤون النازحين وإعادة إعمار بلداتهم باعتبارها كانت الأكثر عرضة للدمار في الحرب ضد “داعش”، إضافة إلى مسعى تخفيف وطأة الحشد الشعبي في المحافظات السنية درءاً للحساسية الطائفية.
فرصة
وكان إجراء انتخابات جديدة بعد عام من منح الثقة لحكومة السوداني، بمثابة شرط مسبق متفق عليه لتمرير الحكومة والتصويت عليها.
ويتفق محللون عراقيون وفقاً لما جاء في عدد من التقارير الصحفية المحلية، على أن عام واحد لا يكفي لتنفيذ البرنامج الوزاري.
ورغم صعوبة تنفيذ المنهاج الوزاري في ظل تراكمات عقدين من الزمن منذ سقوط النظام السابق، ينبغى على الحكومة الجديدة، على الأقل، تنفيذ النقاط البارزة من ضمنها إقرار الموازنة العامة للبلاد خلال عام واحد قبل موعد الانتخابات الجديدة.
وإذا استطاعت الحكومة الحديثة طي الملفات البارزة بنجاح، قد يسهّل ذلك المهام أمام مشروع الانتخابات المقبلة وبالتالي إعادة نوع من الثقة بين السلطة والشعب، بينما فشلها سيكون يعني قطع آخر أوصال الثقة وموت آخر الفرص أمام الحكومات التوافقية فيعود البلد إلى المربع الأول من الأزمة.