أزمة تشكيل الحكومة في العراق.. عامٌ على انتخابات مبكرة بنتائج متأخرة

أربيل- نورث برس

تطبيقاً لرغبة جماهيرية احتجت ضد “الفساد والمحاصصة”، أجرى العراق انتخابات “مبكرة” في مثل هذا اليوم من العام الفائت، لكن دون تشكيل حكومة، بل أوقعت البلاد في صراع بلغ ذروة لم تصل إليها منذ تشكيل النظام الجديد.

في يوم العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021، احتدمت المنافسة بين التحالفات والتيارات السياسية العراقية والكردية العراقية، على 329 مقعداً في مجلس النواب العراقي، في سباق انتخابي “مبكر” كان الأول من نوعه خلال حقبة العراق الفيدرالي منذ 2003.

ورغم التوافد الضعيف إلى الصناديق بنسبة لم تتجاوز نصف عدد الذين يحق لهم التصويت، كانت التوقعات تشير إلى أن ينتهي بها المصير بتشكيل برلمان جديد، وبالتالي تشكيل حكومة سريعة تلبي مطالب جماهيرية.

وتلك الانتخابات كانت بمثابة “نقطة تحول”ونالت زخماً محلياً ودولياً لأنها جاءت بعد احتجاجات “تشرين” 2019 وما لحقتها من احتجاجات آخرى قتل وأصيب فيها المئات تحت مطالب رسم خارطة سياسية تلبي تطلعاتهم.

لكن الصدمة للعراقيين هي أنها أدخلت البلاد في صراعات سياسية أقوى من سابقاتها، بل تصاعدت لمستويات حرب أهلية. بذلك بقي القرار والعملية السياسية العراقية “أسيرة” التيارات السياسية النافذة.

وكان من الطبيعي أن يلي مرحلة الاقتراع صراع سياسي بين القوى السنية على منصب رئيس البرلمان، وبين القوى الشيعية على من سيكون الكتلة الأكبر لتعيين رئيس الحكومة، وبين الكرد على منصب رئيس الجمهورية، لكن ليس لدرجة أن يمر عامٌ كامل دون التوصل إلى توافق.

طلائع الأزمة

حقق تيار الصدر بقيادة زعميه رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الفوز الساحق بحصوله على 73 مقعداً، يليه تحالف “تقدم” السني بقيادة الحلبوسي بـ37 مقعداً، ثم ائتلاف “دولة القانون” بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي برصيد 33 مقعداً، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البارزاني بـ31 مقعداً.

ومنّيت قوى شيعية آخرى بخسارة كبيرة مقارنة بانتخابات 2018، وهي ذات الأطراف التي نددت بالنتائج واحتجت ضدها في وقت لاحق من ظهورها، وقدم أكبر قدر من الطعون للمحكمة الاتحادية لرفضها.

إلا أن المحكمة الاتحادية العراقية ردت دعوى الطعن بالنتائج في جلسة قضائية عقدت نهاية شهركانون الأول/ ديسبمر 2021، أي بعد نحو شهرين من موعد الانتخابات.

انسداد سياسي

بعد قرار المحكمة الحاسم، وتقبل النتائج، بدأت مرحلة المنافسة على تشكيل الكتلة الأكبر لقيادة الحكومة، وهذه المرحلة حولت الوضع إلى صراع سياسي طويل  بين طرفين شيعين أحدهما يقوده زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر والآخر أطلق على نفسه “الإطار التنسيقي”.

ودفعت خسارة قوى شيعية أمام التيار الصدري إلى لمّ الشتات وضم جهات وقوى صغيرة ومستقلين ليصبح عدد كتلته فوق الثلث “الثلث الضامن” وهذا ما يجعله يضمن عدم إمكان تشكيل حكومة من دونه.

ولم يسلم الكرد من الصراع، بل كعادتهما، دخل كلٌّ من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني في منافسة على منصب رئاسة الجمهورية.

 لكن هذا الصراع وعلى عكس ما جرى في انتخابات 2018 لم تسرقه الأَضواء المسلطة على الخلاف الأكبر بين القوتين الشيعيتين على منصب رئيس الحكومة.

واستطاع الثلث “الضامن” أن يعطل ولأكثر من مرة نصاب جلسات البرلمان الجديد ليحول دون انتخاب رئيس الجمهورية ودون ترشيح رئيس جديد خلفاً للكاظمي.

وامتدت فترة التجاذبات والحوارات المتقطعة حتى الصيف الفائت، إلى أن أعلنت كتلة التيار الصدري انسحابها في شهر حزيران/ يونيو.

صدام مسلح

وسرعان ما تبين أن انسحاب التيار الصدري الذي كان يدعو لحكومة أغلبية، من الساحة السياسية، لا يعني إبقاء الشارع العراقي لصالح خصمه الإطار التنسيقي الذي طالب بحكومة توافقية، بل سيطر أنصاره خلال شهر آب/أغسطس، على البرلمان ومبانٍ حكومية.

هذا التوغل تحول خلال أقل من أسبوعين إلى صدام عسكري بين فصائل التيار والقوى الأمنية وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى.

واتجهت الأوضاع إلى الهدوء النسبي بانسحاب الصدر من الشارع، ليترك الكرة في ملعب الإطار التنسيقي، وبالتالي ذهبت الكتل الكردية والسنية الموالية للصدر إلى مفاوضات استعداداً لتشيكل حكومة لم تر النور حتى اليوم.

دوافع

مع اختلاف الرؤى بين الفريقين الشيعيين على شكل الحكومة المقبلة، يظهر العامل الأبرز للانسداد السياسي المتمثل بالتبعية المذهبية، حيث كان واضحاً للعيان أن الصدر كان يمثل جبهة حديثة ويسعى إلى إلغاء المحاصصة والتوافقية بشعاره الشهير ” لا شرقية ولا غربية”.

بينما شدد الإطار التنسيقي على تشكيل حكومة توافقية ورفض إقصائه من الحكم، وهذا ما دفعه إلى تشكيل ثلث يضمن الإخلال بالنصاب القانوني لجلسات البرلمان.

ويرى الباحث السياسي العراقي الدكتور، إحسان الشمري، أن الصراع كان بأصله على الزعامة الشيعية السياسية خصوصاً أن نتائج أفرزت كتلة شيعية كبيرة يقودها الصدر قياساً بالقوى الشيعية التقليدية المتمثلة بالإطار التنسيقي.

وقال “الشمري” لنورث برس، إن “القضية لا ترتبط بالدستور بقدر ما هي اختلاف على طبيعة تفسير نصوص الدستور، وهي ممكن تسميتها عوائق أكثر من أن تكون سبباً للانسداد.”

وساهم “تضارب المصالح” الشيعية والسنية والكردية بين بعضها البعض في “الانغلاق السياسي”، وفقاً لـ”الشمري”.

وأشار إلى حزمة العوامل:”التأثيرات الخارجية ولاسيما الانخراط الإيراني في محاولة فرض خارطة سياسية على أساس (بيوتات) دينية وقد رفضت من قبل الصدر، الأمر الذي ساهم في تعميق الأزمة”.

هذا كله بالإضافة إلى الخلاف على نهج النظام بين “الأغلبية” التي سعت إلى استحداث نظام جديد يلغي “التوافية التقليدية” التي بني عليها العراق من تشكيل أول حكومة بعد سقوط النظام السابق.

انفراجة نسبية

في أواخر شهر أيلول/سبتمبر، ظهر تحالف باسم “إدارة الدولة” في العراق. لكن دون الإعلان عنه رسمياً، ليكون مظلّة سياسية هدفها التوصُّل إلى حلٍّ للأزمة، بما فيها الخلاف بين القِوى الكردية على منصب رئيس الجمهورية، والبدء بتشكيل حكومة جديدة.

والأسبوع الفائت، قال مقرب من البرلمان العراقي، لنورث برس، إنه مع المباحثات التي تجري في إطار التحالف الجديد، تشير المعطيات والتقاربات السياسية إلى أن البلد مُقبل على تشكيل حكومة جديدة قريباً، بالإضافة إلى وجود نوع من التفاهم بين الحزبين الديمقراطي الكردستاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، على منصب رئاسة الجمهورية.

ومع الحديث عن التفاهمات في إطار تحالف الدولة المزعوم، بدأت رئاسة البرلمان منذ الأسبوع الفائت، بعقد جلساتها وتم خلالها تجديد منح الثقة برئيسها الحلبوسي وتعيين أعضاء جدد بدلاً من أعضاء كتلة الصدر المستقيلين.

و بالتزامن مع عودة البرلمان لعمله، يُبدي  الإطار التنسيقي استعداده للذهاب إلى انتخابات مبكِّرة، لكن ليس قبل أن يتم تشكيل حكومة.

ولازال الإطار التنسيقي يحتفط بمرشحه محمد شياع السوداني، الذي لم يلق استحسان الصدر، لقيادة الحكومة المقبلة، بينما يسود نوع من الحذر لدى الإطار في أن تتم العملية دون تدخل قاسٍ آخر من أنصار الصدر كالذي حصل في شهر آب/ أغسطس الفائت.

إعداد وتحرير: هوزان زبير