بعد استقالة كتلة الصدر.. العراق أمام سيناريوهات مظلمة أحدها الاحتجاجات الجماهيرية

أربيل- نورث برس

تتباين رؤى المحللين العراقيين حول ما سيؤول إليه الوضع السياسي في البلاد بعد الاستقالة الجماعية لكتلة التيار الصدري من البرلمان، لكن على ما يبدو ثمة رأي مشترك وهو أن زعيم التيار مقتدى الصدر يحاول كسب الشارع العراقي لصالحه وقلبه على خصومه بعد أن دخلت العملية السياسية في حالة انسداد.

وتسببت استقالة نواب الكتلة الصدرية، وهي أكبر كتلة في البرلمان، بتعقيد المشهد السياسي وزادته ضبابية بعد مرور نحو ثمانية أشهر على الانتخابات المبكرة دون الوصول إلى اتفاق بشأن الحكومة الجديدة.

إحراج خصومه

وجاء قرار الصدر بعد تهديدات سابقة باستقالة كتلته من البرلمان، في محاولة لإحراج خصومه المتمثلين بالإطار التنسيقي الذي يضم قوى شيعية شكلت أكثر من ثلث عدد النواب.

وقدّم نواب الكتلة الصدرية استقالاتهم من البرلمان العراقي، أمس الأحد، بناء على طلب من زعيم التيار مقتدى الصدر.

وأعلن رئيس مجلس النواب محمّد الحلبوسي، قبوله الاستقالات. وأعقب ذلك استقالة مرشح كتلة الصدر للحكومة المقبلة.

وتضم كتلة الصدر 73 نائباً، واعتبر الصدر استقالتهم  “تضحية مني من أجل الوطن والشعب لتخليصهم من المصير المجهول”.

و لم يتضح بعد تأثير الاستقالة الجماعية لنواب الكتلة الصدرية على حلفائه في التحالف الثلاثي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وقوى سنية بزعامة رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي.

ويرى الباحث السياسي الدكتور إحسان الشمري، أن أحد الأسباب التي دفعت التيار الصدري إلى الاستقالة هو أن الأخير اقتنع بعدم قدرته على إجراء الإصلاح الذي وعد به حتى لو تمكن من تشكيل حكومته الأغلبية وفقاً لمبتغاه.

والخلاف الدائر في العراق هو على شكل الحكومة، حيث أن الصدر سعى إلى تشكيل حكومة أغلبية باعتبار أن كتلته هي الأكبر في البرلمان، أما الإطار التنسيقي والذي شكل “الثلث الضامن”، ذهب باتجاه تشكيل حكومة توافقية تضمّ جميع الأطراف الشيعية على خطى التقليد السياسي في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين.

وأشار الشمري في حديث لنورث برس، إلى أن هدف الاستقالة هو شكل من أشكال الضغط السياسي على الإطار التنسيقي وإخضاعه للشروط التي يفرضها لتشكيل الحكومة.

توقع باندلاع احتجاجات كبيرة

أما بالنسبة لمصير كتلته بعد الاستقالة، قال الشمري: “هناك مسار قانوني وهو استبدال الأعضاء”، ما يعني أن الاستقالة لا تعني الانسحاب من البرلمان نهائياً أو تعطيله.

لكن وبحسب الباحث العراقي، إذا استمرت هذه الحالة في البرلمان “قد تندلع احتجاجات كبيرة” لن تتمثل مطالبها بانتخابات مبكرة جديدة، وإنما بتغيير التوافقات السياسية واستهداف الأسس التي بني عليها النظام السياسي.

وقال الشمري، إن الأرضية والشارع مهيئتان لتظاهرات عنيفة تهز النظام السياسي القائم.

وهذا ما يريده الصدر وفق تفسير مراقبي المستجدات السياسية، وهو كسب الشارع لصالحه وقلبه على خصومه والضغط عليهم جماهيرياً.

والمثير للاهتمام هو أن خطوة الصدر جاءت بعد أيام قليلة من تشريع قانون “الأمن الغذائي” الذي منح مكسباً لحكومة الكاظمي وهي حكومة تصريف أعمال لم يكن بإمكانها دستورياً إقرار الموازنة المالية، ما يعني أنها كانت تواجه شللاً مؤسساتياً بدون صرف المال لها.

وتبقى كل السيناريوهات مفتوحة بما فيه حل البرلمان، وفقاً للشمري.

وعجزت الأطراف السياسية الأساسية في البلاد عن الاتفاق على الحكومة المقبلة، ووصلت إلى حالة وصفها ساسة العراق بـ”الانسداد السياسي”، بعد ثمانية أشهر على الانتخابات التشريعية المبكرة التي جرت في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2021.

وأخفق البرلمان ثلاث مرات في انتخاب رئيس للجمهورية، وتخطى المهل التي ينص عليها الدستور، بسبب مقاطعة “الثلث +1” حيث لا يمكن انتخاب رئيس الجمهورية وكذلك رئيس الحكومة إلا بحضور ثلثي عدد النواب وهذا ما لم تتمكن كتلة الصدر وحلفاؤها من تحقيقه.

وقال المحلل السياسي مفيد السعدي، إن كتلة الصدر حققت جزءً من مشروعها كتشريع قانون الأمن الغذائي وتجريم التطبيع مع إسرائيل، لكن المشروع الأهم وهو تشكيل حكومة أغلبية لم يتحقق، لأن هذا المشروع كان غير مطمئن للمكون الشيعي وهو الأكبر في العراق.

بدلاء

وأعرب السعدي في حديث لنورث برس، عن اعتقاده أن استقالة كتلة الصدر قد تكون مجرد انسحاب تكتيكي يترتب عليه بدلاء باعتبار أن سياسية الصدر تعتمد على البراغماتية العالية في كل الدورات الانتخابية، وكان للصدر مواقف مماثلة في الفترات السابقة.

والمصير الحاسم للكتلة، بات يخضع الآن للتوافقات السياسية في المرحلة المقبلة، ويستبعد المحلل السياسي “تصعيد الشارع، رغم أن الصدر بدأ يعزف على وتر الشارع سعياً لتحقيق ما تبقى من برنامجه”، على حد تعبيره.

وحول تأثير استقالة كتلة الصدر على الحوارات المنفتحة لتشكيل الحكومة، أوضح السعدي أن الكتل الكردية والسنية هي “جزء من الانسداد السياسي وليس الشيعية فحسب، لذا بإمكانها حمل جزء من مهام المضي نحو تشكيل الحكومة”.

ومن الممكن أن تذهب الكتل الكردية باتجاه من يقف معهم على هوى موقفهم المعتاد، لذا فكل السيناريوهات متاحة، بحسب السعدي.

وقال إنه “لا يمكن الجزم بأن استقالة كتلة الصدر ستؤدي إلى استقالات جماعية من كتل حلفاء الصدر في الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة السني”.

كما لا يتصور المحلل السياسي أن تتسبب الاستقالات بتعطيل البرلمان وحله لأن هناك قانون ودستور يتيح وضع نواب بدلاء.

موقف كردي حاسم

وتترقب الأنظار موقف حزب البارزاني باعتباره يمتلك أكبر عدد نواب كحزب، وبالتالي سيكون له دور في حسم العملية السياسية المقبلة، بحسب السعدي.

وقال زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، اليوم الاثنين، إنه يحترم قرار الصدر بخصوص انسحاب كتلته من البرلمان، وأنه سيتابع التطورات اللاحقة.

ومن المنتظر مصادقة مفوضية الانتخابات على استقالة نواب الكتلة الصدرية وتسمية بدلاء عنهم وفقا لقانون الانتخابات الذي تم اعتماده.

بينما يتوقع أن يخطط الإطار التنسيقي لجولة جديدة من المباحثات مع جميع القوى ولاسيما مع الحزب الديمقراطي الكردستاني لتشكيل الحكومة حسب الاستحقاق.

ورغم استقالة كتلة الصدر، سيكون بإمكان الإطار التنسيقي تشكيل الحكومة في حال تم الوصول إلى توافق مع الكتل الكردية والسنية.

إعداد وتحرير: هوزان زبير