صراع المحاكم بين أربيل وبغداد وخلاف على قانون “مسيس” بين الكتل
أربيل- نورث برس
في ظل مرحلة الركود الطويلة للعملية السياسية العراقية وتوقفها عند “حالة الانسداد”، وبعد مرور قرابة ثمانية أشهر على الانتخابات المبكرة دون تشكيل حكومة جديدة، تشهد البلاد صراعاً بين محاكم أربيل وبغداد من جهة، وخلافات شديد بين فرقاء المجلس التشريعي حول مشروع قانون أزمة الغذاء.
وبينما كان إقليم كردستان يبيع نفطه مستقلاً عن بغداد وظهور العقود النفطية بين أربيل وشركات عالمية بشكل جلي في عام 2014، رفضت بغداد بالمقابل خلال السنوات الماضية وحتى اللحظة، منح الإقليم نسبة من الموازنة المالية بحجة أن الأخير لا يسلم إيرادات النفط للحكومة المركزية.
قضية نفط كردستان
بقيت هذه القضية على طاولة المفاوضات المفتوحة بين أربيل وبغداد دون حسمها، لتأتي المحكمة العراقية قبل أشهر بقرار حاسم يقضي بعدم شرعية قانون 2007 للنفط والغاز في الإقليم، دون الرجوع إلى بغداد (المركز).
لكن قرار المحكمة الاتحادية الذي صدر في منتصف شباط/ فبراير الفائت، والذي شمل أيضاً مطالبة الإقليم بتسليم كامل إنتاجه للحكومة الاتحادية، قد أثار غضب أربيل التي أعلنت بوضوح رفضها للقرار على لسان السلطات التشريعية والتنفيذية في الإقليم.
ومؤخراً، دخلت السلطة القضائية في إقليم كردستان على الخط، لتقضي هي الأخرى برفض قرار المحكمة الاتحادية، وقالت: “ليست لها (للمحكمة الاتحادية) صلاحيات إصدار قرار بإلغاء قانون النفط والغاز في إقليم كردستان الصادر عام 2007 (..) قانون النفط والغاز لحكومة الإقليم سيظل ساري المفعول”.
وعد مجلس قضاء إقليم كردستان، ما تقوم به حكومة الإقليم حول ما يتعلق بالعملية المرتبطة بالنفط والغاز متوافقاً مع ما جاء في الدستور العراقي وأحكام قانون النفط والغاز في الإقليم.
كما أشار إلى أن الدستور لم يحدد عمليات التنقيب وإنتاج وتصدير النفط والغاز من الخصوصيات الحصرية للسلطات الاتحادية.
دعوى ضد الشركات النفطية
وفي مطلع الشهر الفائت، دعت وزارة النفط العراقية شركات النفط والغاز العاملة في إقليم كردستان لتوقيع عقود جديدة مع شركة التسويق المملوكة للدولة “سومو” بدلاً من حكومة الإقليم.
وأتت تلك الخطوة بعد سنوات من المحاولات التي قامت بها الحكومة الاتحادية للسيطرة على عائدات حكومة الإقليم شبه المستقل.
وقالت الوزارة إنها تتابع الإجراءات القانونية ضد الشركات التي تواصل العمل بموجب “عقود مشاركة إنتاج غير مشروعة” وتلك التي “لا تشارك في مفاوضات بحسن نية لإعادة هيكلة عقودها”.
وهذا ما يُعتبر تهديداً على عقود أربيل طويلة الأمد مع الشركات النفطية وما سيترتب عليها من تداعيات مالية وقضائية دولية، هو قد يكون السبب الأبرز الذي يدفع حكومة الإقليم للدفاع عن موقفه بشدة.
وقال مجلس قضاء إقليم كردستان إن الدعاوى التي رفعها وزير النفط في الحكومة الاتحادية على الشركات العالمية، وبناءً على قرار 15 شباط 2022 غير دستورية.
والملف النفطي العالق بين الإقليم والمركز ليس وليد اليوم، فقبيل نهاية ولاية رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي الثانية في 2014، رفعت الحكومة العراقية دعوى في محكمة تجارية تابعة لغرفة التجارة الدولية في باريس ضد تركيا بشأن مبيعات نفط إقليم كردستان على الأراضي التركية.
ومرت هذه القضية بمراحل مختلفة مرهونة بالتجاذبات السياسية، حيث أوقفها رئيس الحكومة الأسبق حيدر العبادي في بداية ولايته نهاية 2014، ثم تفعيلها مجدداً في مطلع 2017 قبل تجميدها في أيامه الأخيرة، ليأتي بعده رئيس الحكومة المستقيل عادل عبد المهدي ويوقفها بشكل كامل بطلب من القيادة الكردية، قبل أن تستأنف مؤخراً من قبل وزارة النفط العراقي خلال العام الجاري.
هذه القضية وباعتبارها مسيسة كما تبدو وكما يصفها الإقليم، لا تنفصل عن مفاوضات وضع أسس حكومة جديدة تأخر تشكيلها رغم مرور ثمانية أشهر على الانتخابات المبكرة في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الفائت.
وفي حين لا يحق للحكومة الحالية باعتبارها حكومة تصريف، تمرير الموازنة 2022، بل هي مرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة التي تنتظر توافقاً على منصب رئيس الجمهورية وثم ترشيح رئيس للحكومة المقبلة، فقد اُستغل هذا الفراغ من قبل كتل نيابية في البرلمان العراقي بزعامة التيار الصدري وحلفاؤه، لمحاولة تمرير مشروع قانون الأمن الغذائي.
خلاف قانوني وتسييس
يذهب مراقبون، إلى أن هدف إقرار قانون الأمن الغذائي والتنمية هو أن يكون بديلاً لمشروع الموازنة الاتحادية لعام 2022 المتوقف بسبب عدم تشكيل الحكومة والأمر الذي يقف حاجزاً أمام المشاريع الاقتصادية في البلاد.
وقال النائب ومقرر اللجنة المالية في البرلمان السابق، أحمد حاجي رشيد لنورث برس، إنه على الصعيد القانوني، نرى أن نسخة مقترح القانون التي أصدرتها الحكومة تخالف نص المادة 42 من النظام الداخلي للبرلمان، لأن حكومة تصريف الأعمال ليس من صلاحياتها إرسال مشاريع قوانين إلى مجلس النواب.
وأضاف: “أما النسخة المعدلة والتي تم تقديمها كمقترح من قبل مجلس النواب هي الأخرى مخالفة للمادة 18 من قانون الإدارة المالية باعتبار أن أي مقترح قانوني يحمل (جنبة) مالية لا بد من مشاورة وزارة المالية في الحكومة ، وهنا نعود إلى النقطة الأولى وهي أن الوزارة من ضمن حكومة تصريف قليلة الصلاحيات وليس حكومة كاملة”.
أما من الناحية السياسية، يرى “رشيد” أن ثمة صراع بين الإطار التنسيقي والتحالف الثلاثي، يريد الأخير تشريع القانون لإعطاء رسالة إلى الشعب العراقي على أنه يقف إلى جانب حقوقهم وتخفيف معاناتهم الاقتصادية وإيجاد حلول لغلاء الأسعار، وصرف الأموال الزائدة عن سعر النفط.
لكن بالمقابل يرفض الإطار التنسيقي منح هذه الفرصة للتحالف الثلاثي ويعتقد أنها تأتي لمساعٍ سياسية، وفقاً لـ”رشيد”.
واعتبر النائب السابق والخبير المالي أن القضية بمثابة تحايل على قانون الموازنة الذي لا يمكن تمريره بدون حكومة جديدة، وهذا القانون هو بمثابة دعم مالي للحكومة الحالية والنافذين فيها باعتبارها تندرج تحت وصاية التحالف الثلاثي، ما يعني أن القانون يفيد التحالف الثلاثي.
كما أشار النائب السابق إلى أن “الخلاف الكامن على المقترح ما هو إلا محاولة لي أذرع الآخر، علماً أنه لا يمكن تبديل قانون الموازنة بأي قانون يحمل إيرادات ونففات للدولة”.