الطفلة دجلة برفقة أمها في منزل بمدينة ديرك- نورث برس

حياة طفلة نازحة من سري كانيه علقتها شظية تركية والعلاج مكلف

ديرك-  نورث برس

بغصن شجرة توت وسط المنزل، تعلق الأم أدوية طفلتها في محاولة منها لحمايتها من الحر، ولكن يبدو أن ذلك لن يجدي نفعاً بعد أيام قليلة مع بدء درجات الحرارة في الارتفاع.

ومنذ يومين، تلجأ الأم المغلوب على أمرها لإطعام طفلتها الشاي بدلاً من الحليب واللبن، وذلك بعدما عجزت عن تأمين ثمنهما.

وفي أقصى شمال شرقي سوريا وتحديداً في مدينة ديرك، تسرد إيمان معمي (34 عاماً)، كيف انتهى بهم الأمر على هذا الحال بعدما كان وضعهم “جيداً”.

وفي زاوية غرفة بمنزل يفتقر لأدنى الأثاث وعلى اسفنجة رقيقة، يعلو صوت الطفلة دجلة وهي طريحة الفراش، لا تستطيع التكلم أو التحرك أو المشي،  تحاول عن طريق البكاء مناداة أمها.

ويبدو من جسد الطفلة النحيل وكأنها في الثالثة من عمرها، إلا أن والدتها تقول إنها أتمت السادسة من عمرها ودخلت في السابعة قبل بضعة أشهر.

وأثناء حديثها، تضع الأم كل ما عانته من نزوح متكرر وظروفها المعيشية المتردية في كفة، وحال طفلتها الذي يسوء بشكل مستمر في كفة ثانية.

تقول بينما تحاول منع نفسها من البكاء بلهجتها المحلية: “الله لا يوفق يلي كان السبب”.

“ندفع الثمن”

كان من المفترض كحال جميع الأطفال في سنها، أن ترتاد دجلة المدرسة هذا العام وتقضي وقتها باللعب مع أقرانها، لكن جرت الأحداث على عكس ما كانت تأمله عائلتها.

قبل ثلاث سنوات من الآن وفي مدينة سري كانيه التي كانت محطة الاستقرار النهائية لعائلتها، كانت تعيش دجلة برفقة والديها وشقيقتها وشقيقها، حياة تصفها الأم بـ”الطبيعية”، حتى التاسع من تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

في ذلك اليوم، أصيبت الطفلة بشظية في رأسها أثناء محاولة العائلة إنقاذ نفسها من الهجوم التركي الذي طال سري كانيه.

تلك الشظية غيرت مجرى حياة الطفلة والعائلة على حد سواء، فقد أصيبت بشلل في الأطراف وسببت لها خللاً في وظائف الدماغ, يعيق نموها ونطقها وحركتها ويمنعها من تناول الطعام بنفسها.

تتذكر الأم التي تنحدر من مدينة كوباني تلك اللحظات جيداً، “بينما كنت أحاول الهروب مع أبنائي الثلاثة باتجاه بلدة تل تمر، قصفت طائرة تركية وأصيبت دجلة”.

وتضيف: “كانوا يقصفون المدنيين وسياراتهم وسيارات الإسعاف وأسواق سري كانيه، قتل العديد من الأشخاص، بينهم أطفال، كنت شاهدة على ذلك”.

وللحظات أثناء تذكرها تلك المشاهد، تحمد الأم الله أن دجلة نجت من الموت، ولكنها ما أن تنظر إلى حال طفلتها، تمتلاً عيناها بالدموع ،وتقول: “لا أدري ماذا أفعل!”.

وتزيد على ذلك، “عشنا حالة من الرعب في تلك الفترة وما تزال تطاردنا ذكرياتها وندفع الثمن, ترون بأنفسكم نتج عن قصفهم عجز وتهجير وفقر وتشرد والعيش بأقل من مستلزمات الحياة”.

وتضيف: “أصبحنا نعيش ونحن نحاول فقط تأمين حاجاتنا الأساسية فقط، وكأننا نصارع للبقاء أحياء, بعد أن كنا ميسوري الحال”.

أدوية غير كاملة

وفرّت “معمي” برفقة عائلتها إلى تل تمر، ولكن لتعرض البلدة حينها للقصف، لجأت إلى مدينة الحسكة وتلقت طفلتها العلاج لمدة شهر في مشفى بالمدينة.

تشير الأم بينما كانت تحاول إبعاد الذباب عن وجه طفلتها، إلى أن تدهور حالتها، دفعها للانتقال إلى مدينة القامشلي علها تجد من يعيد حالة طفلتها إلى ما كانت عليه في السابق.

لكن ذلك لم يتحقق، لتقرر الأم الانتقال إلى مدينة ديرك بهدف الذهاب إلى إقليم كردستان العراق، “ولكن لعدم قدرتنا على تغطية تكاليف السفر لم نستطيع السفر”.

لم تفقد الأم الأمل في علاج طفلتها وقصدت أطباء في دمشق قبل فترة وذلك بعدما تبرع لها أشخاص بالمال.

وفي العاصمة تذكر “معمي” أن أطباء أخبروها بإمكانية استعادة طفلتها صحتها، ولكن ذلك يلزم علاجاً لمدة سنة كاملة على الأقل وتناول أدوية بشكل مستمر.

ولكن أمام الضائقة المادية، عادت الأم أدراجها إلى ديرك، “وضعنا المادي لا يساعدننا على المكوث في دمشق لمدة سنة وشراء أدوية بشكل مستمر، دخل زوجي لا يكفي لتغطية العلاج”.

ويعمل زوج السيدة في قوى الأمن الداخلي “الأسايش”، ولا يتجاوز راتبه الشهري 250 ألفاً، في حين يبلغ إيجار المنزل الذي تسكنه العائلة 100 ألف ليرة شهرياً.

نزوح متكرر

وبينما تحاول الأم تهدئة طفلتها التي بدأت البكاء، تتحدث عن رحلة نزوحهم خلال الحرب السورية.

ففي ببداية الحرب، هربت العائلة من حي الشيخ مقصود في حلب هرباً من فصائل الجيش الحر إلى مدينة منبج واستقرت هناك لفترة، ولكن ما لبثت أن هربت بنفسها إلى مدينة كوباني بعد سيطرة تلك الفصائل على منبج.

ومن كوباني شقت العائلة طريقها إلى تركيا، باحثة عن حياة أفضل، ولكن “لم تتحسن ظروفنا وعدنا بعد شهر إلى سوريا”، وفي سري كانيه انتهت رحلة نزوح العائلة.

تصف السيدة الثلاثينية، بينما تجد صعوبة في التعبير باللغة العربية، ظروف حياتهم قبل الحرب على سري كانيه بأنها كانت جيدة ووضعهم كان مستقراً، إلى أن بدأت الحرب وحدث ما حدث.

وفي الكيس المعلق على الغصن لا يوجد سوى صنف أو صنفين من الأدوية، في حين أن الطفلة تحتاج للعديد من الأصناف، يبلغ سعر أحدهما 200 ألف ليرة والآخر 100 ألف ليرة.

وتضيف الأم بحسرة: “علاج طفلتي مكلف وخاصة بالنسبة لعائلة نزحت مرات عدة ولم تستقر منذ عشر سنوات”.

إعداد: دلال علي- تحرير: سوزدار محمد