آثارٌ سلبية لعقد من الحرب تظهر في سلوك أطفال بالسويداء
السويداء- نورث برس
لا تزالسعاد خلدون (40 عاماً) وهو اسم مستعار لموظفة حكومية في مدينة السويداء، تتذكر جيداً حالة طفلها وسام عندما كان في الصف الرابع الابتدائي، إذ كان يستيقظ من نومه خائفاً من صوت الرصاص، عدواني في تعامله، والألعاب المفضلة لديه كانت ولا تزال لعبة الحرب والحواجز.
ولم يتغير وضع الطفل كثيراً عندما بلغ الخامسة عشر من عمره، “فمفهوم الشجار اللفظي عنده غير موجود، يتعامل بلغة العنف مع الجميع وتحصيله الدراسي متوسط”، وفقاً لما تذكره الأم لنورث برس.
تضيف الوالدة: “ابني يحضّر اليوم لامتحان الشهادة الإعدادية، أقف عاجزة عندما أطلب منه أن يدرس ويكون جوابه لما أدرس طالما أنني سأسافر من هذا البلد الذي حرمنا فيه حتى من أن نأكل كما نريد وماذا استفدتي أنتي وأبي من علمكما بهذا البلد، معاشكما الشهري لا يكفي لشراء قهوة وسكر وزيت”.
وفي السويداء، كما جميع المناطق السورية الأخرى، لم تقتصر آثار الحرب على الاضطرابات النفسية على الأطفال بل أثرت في سلوكهم، حيث يميل بعضهم للعدائية والتي تظهر من تصرفاتهم وألعابهم التي تكون في معظمها أسلحة حربية.
فيما بات البعض منهم منعزلاً، ويواجه آخرون خطر تعاطيهم المواد المخدرة المنتشرة بكثرة في السويداء، والبعض الآخر يعاني من الظروف المعيشية الصعبة لعائلاتهم والتي أثرت بشكل أو بآخر على تحصليهم الدراسي.
وفي آذار/ مارس العام الماضي، قالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تقرير لها، إن الحرب في سوريا أثرت بشكل كبير على الصحة النفسية للأطفال، وأدت لتضاعف عدد من ظهرت عليهم منهم، أعراض الضيق النفسي والاجتماعي عام 2020، بسبب التعرض المستمر للعنف الشديد والصدمات.
ووصف التقرير، الحرب السورية بأنها “جعلت حياة جيل من الأطفال معلقاً بخيط رفيع”.
“خيط رفيع”
وفي مدينة شهبا شمالي السويداء، لا يعاني ابن عدنان الطويل (52 عاماً) وهو اسم مستعار لأحد سكان شهبا من اضطرابات نفسية، كما أن سلوكه طبيعي، لكن الأب يخشى عليه من تعاطي المخدرات التي باتت “منتشرة في الشوارع والمدارس”.
ويقول “الطويل” الذي يبلغ ابنه من العمر السادسة عشر، إن “المخدرات والحشيشة تباع بأماكن قريبة من المدارس، لديهم خطة مدروسة لتفكيك المجتمع داخلياً، تزايدت حالات انتحار المراهقين في الآونة الأخيرة بسبب المخدرات”.
وكانت الحرب السورية المستمرة منذ أكثر من عقد من الزمن وما رافقها من انفلات أمني، من أهم عوامل انتشار وترسخ تعاطي المواد المخدرة بشكل شبه علني، بحسب سكان في السويداء.
ويحذر آصف أبو لطيف وهو دكتور بجامعة دمشق من حدوث اضطرابات خطيرة مع الأطفال في حال فقدوا الأمن النفسي من خلال مشاهداتهم الحية لما يجري حولهم أو عن طريق التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي لمشاهد العنف وأخبار الخطف وتعاطي المواد المخدرة وغيرها.
ويشير إلى أن ذلك سيؤثر على قدرة الطفل على تحديد هويته النفسية وسلوكه وعلاقاته مع أقرانه وسيؤثر أيضاً على ثقته بنفسه، “التي تؤدي في مثل تلك الحالات إلى الانعزال والرفض المتبادل لمحيطه الاجتماعي”.
ويرى “أبو لطيف” أن الأمن النفسي للطفل من أهم متطلبات النمو الوجداني والانفعالي التي تؤسس لشخصية متوازنة على المدى البعيد.
“وعي الأسرة”
ويعول “أبو لطيف” في الوقت الراهن على وعي الأسرة وثقافة الوالدين في تلبية احتياجات الأبناء ومراقبة سلوكهم والتعرف عن قرب على أقرانهم وعلاقاتهم واهتماماتهم، وعدم التغاضي عن أي سلوك خاطئ حتى ولو بدا صغيراً.
بالإضافة إلى استثمار طاقاتهم وقدراتهم في الأنشطة الرياضية والفنية والثقافية، وفي حال واجه الأهل صعوبة في توجيه سلوك أبنائهم أو ضبطه، فعليهم اللجوء للمتخصصين واستشارتهم وطلب مساعدتهم دون إحراج أو تردد، بحسب “أبو لطيف”.
وتقول أحلام مطر (43 عاماً) وهو اسم مستعار لسيدة من مدينة السويداء، إن ردة فعل ابنتها حنين بعد هجوم “داعش” على السويداء عام 2014 و2018، كانت العزلة وعدم الخروج إلى أي مكان، “العزلة هي ردة فعلها على رفضها للواقع الذي عاشته وتعيشه”.
وفي إحدى المدارس الحكومية، تقول أمل عزام وهي معلمة من السويداء لنورث برس إن “المشاهد التي تحدث في المدارس، أقل ما يقال عنها المضحك المبكي”.
وتضيف: “عندما تأتي الكهرباء أثناء الحصة الدراسية يصرخ بعض الأطفال بدون تفكير، أنسة اطفي المدفئة واشعلي مدفئة الكهرباء، كما يفعلون في منازلهم في محاولة أهاليهم لتوفير مازوت التدفئة”.
وتشير المعلمة إلى أنهم لاحظوا أن تحصيل الطلاب خلال أشهر البرد كان متدنياً نوعاً ما، “فمعظم الطلاب يقولون إنهم لا يستطيعون الدراسة بدون مدفئة”.