القسيسة الأولى في سوريا: لم نرد أنّ ندخل التّاريخ بل أنّ نصنع تاريخاً جديداً

الحسكة – نورث برس

تقف ماتيلد ميخائيل صباغ، القسيسة الأولى في تاريخ سوريا والثّالثة في تاريخ السّينودس (المجمع الكنسي)، في المحراب المقدس، كراعية للكنيسة الإنجيلية المشيخية الوطنية في الحسكة شمال شرقي سوريا، وتبدو عليها ملامح الثقة بالنفس والفخر.

وفي الثّالث من هذا الشهر، رُسِّمت “صباغ” البالغة من العمر (39 عاماً)، رغم أنّ قانون الكنيستين الرّومانية الكاثوليكية والأرثوذكسية الشّرقية يمنع أنّ تصعد المرأة إلى الهيكل، لتجنب الاحتكاك بين النّساء والرّجال في المحراب المقدس.

ولكن الكنيسة البروتستانتية (الإنجيلية) لا تأخذ بهذا، “لأنه لم يرد في الإنجيل، وإنما وُضع من قِبل تلاميذ السّيد المسيح ومن تلاهم”، حسب مصادر مطلعة.

وتقول “صباغ” لنورث برس، إنّ “الرّاعي ومسؤولو الكنيسة رحّبوا بهذه الخطوة والمجلس المُصغر للكنيسة لم تكن غايته دخول التّاريخ، وإنما صنع تاريخ جديد لسوريا وللكنيسة في سوريا”.

وتشير إلى أنّ “هذه المرة الأولى في تاريخ سوريا التي تتولى فيها امرأة هذا المنصب، ولكنها ليست المرة الأولى التي تكون فيها سوريا رائدة في مجالٍ أو قرارٍ ما”.

وحضر حفل التّنصيب رئيس المجمع الأعلى للطائفة الإنجيلية في سوريا ولبنان القس جوزيف قصاب، ورئيس السينودس وأمين سر لجنة الشّؤون الكنسية والرّوحية وعدد من الرّعاة والقساوسة، وكهنة الكنيسة الكاثوليكية.

والسينودس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان، هو مجمع الأساقفة المسيحيين، الذي يتم داخله تعيين أو إقالة رجال دين، وإصدار أمور دينية أخرى.

“حدثٌ غريب”

وترى القسيسة وهي أم لطفلتين توأم عمرهما 4 سنوات، أنّ هذا الحدث “كان غريباً على مجتمعاتنا، فالتحديات الحقيقية كانت مجتمعية أكثر منها دينية”.

وفي وقت سابق، قالت القسيسة الأولى في العالم للكنيسة الإنجيلية شمالي لبنان رولا سليمان، إنّ الطّائفة الإنجيلية تختلف عن الطّوائف المسيحية الأخرى، من حيث أنها تسمح بزواج القسيس لبناء عائلة مسيحية جديدة.

وأشارت في موضع آخر إلى أنّ “المرأة أبطأ غضباً وأقل انفعالاً بشكلٍ عام، وهذا يساعدها على عدم اتخاذ قرارات سريعة والدّخول بنزاعات تسيء إلى الحياة وسلام الكنيسة”.

وعن مشاعرها لحظة ترسيمها تصفها السّيدة بـ “المُختلطة”، رغم أنّ أسرتها أبدت علامات الفخر والسّعادة بها.  

وفي 2016، استلمت “صباغ” رعاية الكنيسة الإنجيلية الوطنية، وتقول: “رعاة الكنيسة شجعوني ودعموني، وتقبل النّاس كان كبيراً، إذ رأيت المشاعر الصّادقة في عيونهم منذ لحظة دخول الموكب الكنسي للرسامة”.

وعن رؤيتها للموقف، تعبر “تحول الحدث ليوم عيد، بسبب تجمع المحبين وتجمهرهم”.

وفي العاشر من نيسان/ أبريل الجاري، أحيت القسيسة أول صلاة لها في يوم أحد الشّعانين، وتقول: “أفخر بهذا فالحسكة مدينة تستحق أنّ تُذكر على قنوات الأخبار بطريقة إيجابية، بما هو مُختلف عما شهدناه سابقاً، من مواضيع انقطاع الماء والكهرباء أو حدوث مشاكل تتعلق بداعش وغيرهم”.

وحول الصّعوبات التي تواجهها تجيب، “تنظيم الوقت، فأنا بحاجة لأعطي كل شيء حقه، لأنني مُتزوجة ولدي ابنتان هما ميشيل وغريتل، إذاً يترتب علي أن أخدم الرّب بأمانة والعائلة كذلك، لذا من المفترض أنّ أبذل جهداً بدنياً دائماً”.

وتضيف: “التّقارب الفكري والحضاري والتّاريخ المُشترك بين مكونات المنطقة منذ نحو 100 عام، سهَّل الأمر كثيراً”.

ردود فعل

ولم يخلو الأمر من الانتقادات والمعارضة لترسيمها، والتي وصلت حد “الإدانة والإهانة والألفاظ المُسيئة”، فانقسم المعارضون إلى نوعين أحدهما الرّاقي الذي من الممكن تبادل الأفكار معه، والآخر أشبه بمن “ينفث السّم”، على حد تعبيرها.

وتعلق صباح شابو، السّيدة السّريانية من مدينة القامشلي على الأمر،  بأنه “جديد” على المجتمع المسيحي وخاصة للمذاهب الأرثذوكسية، كونه لا يوجد لديهم ما يعرف بـ “رسامة امرأة كقسيسة”.

ولا تنكر “شابو” مقدرة “صباغ” على أنّ تكون قسيسة، وذلك كونها وصلت لهذه المكانة بعد أنّ درست وحصلت على خزينة جيدة من النّصح والوعظ.

وتعتبر “شابو” أنّ القسيسة تكون أكثر اتصالاً وقرباً من المرأة، لذا فمن المحتمل أنّ تسهم بشكل كبير في تطوير واقع المسيحيات.

وتجد السّيدة أنه من الجميل أن ترى امرأة بمنصب قسيسة، رغم صعوبة ذلك بسبب القوانين الكنسية المطبقة حالياً. 

ومن منظور “صباغ” أنّ وصف الإنسان الرّاقي يُطلق على كل من يعبر عن فكره بموضوعية، “ليس هناك شيء مُتفق عليه بالمُجمل”.

وتستشهد ماتليد بجملة قالها يسوع: “ويلٌ لكم إنّ أحبكم جميع النّاس”.

وترى أنّ “الإصغاء لمن يحطمون معنوياتنا أمر غير مسموح” على حد تعبيرها، لأن “هذه الدّعوة إلهية، والكتاب المُقدس هو مرجعية للتعامل مع أي موضوع”.

وتقول: “في سفر الأمثال ذُكر عن المرأة أنها العز والبهاء لباسها، وتضحك على الزّمن الآتي”.

إعداد: جيندار عبدالقادر – تحرير: آيلا ريّان