أمعاء خاوية تدفع البعض لشراء مواد منتهية الصلاحية في صالات “السورية للتجارة”

دمشق- نورث برس

تشتري أمينة قاسم (55 عاماً) وهو اسم مستعار لسيدة تسكن برفقة ابنتها الوحيدة في حي ركن الدين غرب دمشق، احتياجاتها اليومية من المؤسسة السورية للتجارة، رغم أنها تكون أحياناً فاسدة ومنتهية الصلاحية، ولكن انخفاض أسعارها مقارنة مع الأسواق يجبرها على ذلك.

وهذا العام وبالتحديد مع حلول رمضان، تفاجأت السيدة بكميات من البرغل والطحين والأرز والعدس والخضراوات والفواكه، المنتهية صلاحيتها، متواجدة في صالات المؤسسة، التي اعتادت ارتيادها منذ أربع سنوات.

وقالت “قاسم” التي فقدت زوجها منذ ما يقارب العشرين عاماً، إثر حادث سير، إنها لم تتوقع يوماً أن “تستغل المؤسسة حاجتنا وفقرنا وتطرح مواد غير صالحة للاستهلاك البشري”.

وقبل يومين، اشترت السيدة، “تمراً مليئاً بالدود وبندورة وخيار وبصل وبطاطا معفنة، إلى جانب أرز وبرغل منتهي الصلاحية منذ أكثر من ثلاثة أشهر”، على حد قولها.

وبينما حاولت التغلب على دمعتها بمزحة مؤلمة، أضافت: “الديدان تصول وتجول في التمر ريثما يؤذن المغرب ويحين وقت الإفطار لتستقر في أحشائنا الخائرة من الجوع”.

والمأساة الحقيقية، بحسب “قاسم”، “أننا نتناولها ونحن نعلم تماماً بأنها قذرة ومعفنة وأننا قد نموت أو نمرض بعدها، ولكن أمام انعدام الحلول والبدائل تنتصر بضاعتهم الفاسدة”، وتتساءل باستغراب، “هل هناك في العالم حكومة تبيع مواد فاسدة لشعبها؟”.

“عبء إضافي”

وتعد “السوريّة للتجارة”، مؤسسة حكومية تابعة لوزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، مقرها الرئيسي مدينة دمشق ولها فروع في المحافظات الأخرى الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية.

وتمارس المؤسسة، الأعمال التجارية للمواد والسلع التموينية والاستهلاكية والنسيجية والمنتجات الزراعية بشقيها الحيواني والنباتي، ولها في سبيل ذلك القيام بشراء وبيع السلع، (جملة، نصف جملة، مفرق).

وتتزايد حدة الأزمة الاقتصادية في سوريا، وأصبحت أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، في ظل انعدام أي بوادر حكومية للتصدي للتضخم الاقتصادي الذي تشهده البلاد.

ومؤخراً، سحب هيثم محمود (43 عاماً) وهو اسم مستعار لأحد سكان ركن الدين، قرضاً بقيمة خمسمئة ألف ليرة سورية، بعد أن أعلنت السورية للتجارة عن فتح باب التقسيط على المواد الغذائية للعاملين في القطاع الحكومي.

وفي الثالث والعشرين من آذار/ مارس الماضي، أعلنت المؤسسة عن فتح باب التقسيط للمواد الغذائية المتوفرة لديها للعاملين في الجهات العامة بسقف 500 ألف ليرة للعامل بدون فائدة، على أن يتم الخصم من راتبه على مدار عام كامل من قبل مكاتب الرواتب والأجور في المؤسسات الحكومية.

ويرى مراقبون أن هذا التقسيط سيشكل عبئاً إضافياً على العاملين في الدولة ويشكل أزمة مستقبلاً، عدا عن أن العرض المقدم لم يخرج من دائرة التسويق لمنتجات غير جيدة أو سلع غير رائجة، ما يؤدي إلى فقدان الشريحة الكبرى من السكان الثقة بهذه المؤسسة وعروضها.

“قرض الذل”

وفي أولى أيام رمضان، شهدت صالات السورية للتجارة طوابير من الموظفين الحكوميين، بغرض الظفر بسلة غذائية مقابل عرض التقسيط الذي أعلنت عنه المؤسسة.

وقال “محمود” وهو موظف حكومي، “راتب بسلة، أي سيخصم ربع راتبي شهرياً وعلى مدار عام كامل، مقابل شراء القليل من المؤونة الغذائية لسد رمق عائلتي وأطفالي في هذا الصيام. إنها معادلة غير متكافئة وملتوية”.

وشكل عدم توافر الكثير من المواد التي يتضمنها العرض المقدم في صالاتها، إلى جانب الكثير من السلع المعروضة كانت “فاسدة وتالفة”، صدمة كبيرة للموظف الحكومي.

ووجد “محمود” وهو والد لثلاثة أطفال، أنه وقع “ضحية للمؤسسة التي أرادت التخلص من موادها الكاسدة، والمنتهية صلاحيتها، لتتجنب أكبر قدر من خسائرها على حساب جيوبنا”.

وبتهكم أضاف الموظف: “فيما مضى كنا نسحب قرضاً بخمسمئة ألف لشراء منزل أو سيارة، اليوم نسحبها لشراء بعض المؤونة التي لا تكفينا لعشرة أيام، لا يمكنني تسميته إلا بقرض الذل”.

وأشار إلى أن الحكومة لم تجد حلاً للتضخم الاقتصادي سوى بيع الطعام بالتقسيط، “لن نجد أياماً أسوأ وأسود من هذه”. وعلق ضاحكاً، “سفرة رمضانية مقسطة، رمضان الخير مع تقسيط غير”.

إعداد: ياسمين علي – تحرير: سوزدار محمد